عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 كانون الأول 2024

صلابة الأسرة في ظل التحديات المعاصرة

د. حسن حمد

يجمع المختصون في علم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء أي مجتمع قوي ومتماسك، فهي تلعب دورا محوريا في تشكيل قيم وعادات وثقافة ذلك المجمتع. وتعتمد عملية تربية الأفراد وتوجيههم نحو حياة مستقرة وراسخة في الأساس، وبشكل كبير، على صلابة وتماسك الأسرة، أبا وأما وأبناء وبنات، فكلما زاد ارتكازها على المبادئ الأخلاقية والدينية الفاضلة، زادت صلابة وقوة وأصالة.

وجدير بالذكر أن عجلة تطور الحياة في عصرنا هذا، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي خاصة، قد أبرزت العديد من العقبات والتحديات التي باتت تشكل تهديدا صارخا لصلابة الأسرة وبنيتها، مما يزعزع تماسكها ويؤثر على استقرارها ويضعها في مهب الريح. وفي هذه المقالة، نناقش بعضا من تلك التحديات التي تؤثر في صلابة الأسرة، ونقترح افكارا قد تساهم في تقليص الآثار السلبية لتلك التحديات:

لقد أصبحت غالبية الأسر،هذه الأيام، تواجه عقبات ومشكلات اقتصادية كبيرة وكثيرة مثل: انخفاض مستوى الدخل الشهري، وارتفاع مستوى غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، وزيادة نسبة البطالة، وغيرها، مما أحدث صعوبة جمة في توفير الاحتياجات الأساسية لأفراد الأسرة من طعام وشراب ولباس وخدمات وتعليم..الخ، متسببة في خلق أجواء من القلق والتوتر والارتباك، وتصدعا كبيرا في جدار العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة.

وعليه، أرى أنه لا بد لنا، انطلاقا من روح المسؤولية، أفرادا ومؤسسات، من إجراء مراجعة ودراسة شاملة لطبيعة تلك العلاقات بهدف تعزيز روح الشراكة والتعاون بين أفراد الأسرة وانقاذ ما يمكن انقاذه قدر الإمكان، ربما، على سبيل المثال لا الحصر، من خلال اتباع استراتيجيات إدارة الموارد المالية للأسرة بشكل حكيم، بما في ذلك التخطيط المالي السليم والبحث عن مصادر دخل متنوعة، في ظل الظروف السائدة منذ ازمة كورونا وحتى يومنا.

ورغم أن التكنولوجيا قد ساهمت الى حد كبير في تسهيل التواصل بين الناس، إلا أنها، وفي نفس الوقت، قد تسببت في تشكيل حالة من التفكك الاجتماعي نتيجة لزيادة العزلة الفردية، حتى اصبحنا نرى، على نطاق واسع، انشغال وانغماس كل فرد من أفراد الأسرة، في عالم هاتفه الذكي وما يحتويه من تطبيقات، أو في التفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي على حساب شبكة العلاقات الأسرية الصحية بشكل عام.

وللحفاظ على تماسك الأسرة، أصبح لزاما علينا وضع حدود لاستخدام الأجهزة الإلكترونية في أوقات معينة بقرار من رب الأسرة ودعم ومساندة وتفهم من باقي أفرادها، وأخص بالذكر الأمهات والزوجات وربات البيوت، عبر الاحترام المتبادل والتفاهم الراقي وبطرق واعية وراقية ومقنعة، والعمل معا لتعزيز التواصل المباشر بين أفراد الأسرة، بعيدا عن التوترات الأسرية المتنوعة الناتجة، خاصة، عن التغيرات في القيم الاجتماعية والثقافية في عصرنا هذا.

ومعلوم أن الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، والتوتر والمشاكل النفسية الأخرى تؤثر على استقرار الأسرة. لهذا من المهم أن توفر الأسرة بيئة داعمة تشجع على التعبير عن المشاعر والمشاكل النفسية، والبحث عن استشارات نفسية أو علاج جماعي إذا لزم الأمر.

وتعتبر العلاقة الزوجية هي الأساس الذي يبني عليه استقرار الأسرة وقدرتها على مواجهة هذه التحديات، بحيث يتمتع الزوجان بمهارات التواصل الجيد، والقدرة على التفاوض وحل الخلافات بطرق بناءة، مع البحث عن مساعدة مختصين في حال حدوث مشكلات كبيرة.

إن التحديات المتعلقة بتربية الأبناء في عصر يعج بالتكنولوجيا، والانفتاح الثقافي، وضغوط الدراسة وتوقعات المجتمع، تلزم الآباء والأمهات بضرورة الوعي بمستجدات التربية الحديثة، وتعلم أساليب التربية الإيجابية، بما في ذلك كيفية تربية الأبناء على القيم الصحيحة وتعليمهم كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل آمن.

أما الدين، فيشكل مصدرا كبيرا للوعي والقوة في مواجهة التحديات المعاصرة. فالأسرة التي تستند إلى قيم دينية قادرة على التكيف مع المتغيرات الحياتية بشكل أفضل، فالدين يحض على التعاون، والصبر، والتسامح، مما يساهم في تعزيز صلابة الأسرة، والتكاتف بين أفرادها، وتعزيز التواصل، والتمسك بالقيم الأساسية. وبكل هذا يمكن للأسرة التغلب على معظم الصعوبات والمضي قدما في بناء مجتمع قوي ومتماسك.