عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 كانون الأول 2024

الإسلام والنرجسية...!!

د. سند أبو راس- أميركا

لطالما تساءلت عن سبب اختيار العرب لحمل رسالة الإسلام الخاتمة. فقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسائل سماوية إلى أمم سابقة، وعلم أنها ستضيع مع مرور الزمن. لكن الله عز وجل تكفل بحفظ رسالة الإسلام من الضياع، وجعل العرب أمة الوسطاء في نشرها. ولكن لماذا العرب؟ ما هي الصفات التي تميزهم عن غيرهم من الشعوب وتجعلهم مؤهلين لحمل رسالة الإسلام منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة؟

إن لله حكمة في كل شيء، من أدق مخلوقاته إلى أعظمها، ورسالة الإسلام أعظم من الكون بأسره. لذلك، تساءلت: ما الحكمة من اختيار العرب؟

ظننت في البداية أن نزعتنا اليمينية التي تميل إلى حفظ العادات والتقاليد قد تكون أحد الأسباب. ولكن هذه الصفة وحدها لا تبدو كافية لتحمل مسؤولية رسالة عظيمة كالإسلام. وبعد تدبر وتأمل في صفات العرب ومقارنتها بصفات الشعوب الأخرى، وجدت أن هناك صفة بارزة قد تكون مفتاح هذا الاختيار صفة فيها كل الخير وكل الشر، وهي النرجسية.

لنشر رسالة الإسلام الصافية دون تحريف، كان لا بد لحامليها أن يشعروا بعظمة التكليف، وأن يستشعروا شرف اختيارهم من قبل الله عز وجل لهذه المهمة. النرجسية، بمفهومها الإيجابي، تجعل الإنسان يأخذ المسؤولية بشكل شخصي، وكأن نجاح رسالة الإسلام هو نجاحه الشخصي. هذه الصفة، بما فيها من شغف بالسيطرة والطموح، قد تكون ضرورية لنشر الإسلام بين الثقافات المختلفة.

من النرجسية أيضا تنبع نزعتنا اليمينية التي تدفعنا إلى الحفاظ على العادات والتقاليد. فمن سمات النرجسيين حب الانتماء إلى إرث عريق ونسب أمجاد الماضي لأنفسهم دون جهد منهم، مع العمل على المحافظة عليها بكل السبل. هذه الصفات قد أسهمت في حفظ رسالة الإسلام ونقلها بأمانة من جيل إلى آخر.

طرحت أيضا سؤالا آخر: لماذا كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحديدا هو المختار لحمل هذه الرسالة العظيمة؟ منذ صغري، عندما كنت أسمع حديثا للرسول عليه الصلاة والسلام، كنت أستحضر قوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى". فحكمته عليه الصلاة والسلام كانت دائما محط إعجاب، ولكن بعد قراءة سيرته العطرة، تضاعفت دهشتي لحكمته وسمو خلقه، مما يجعله أفضل الخلق لحمل رسالة الاسلام.

وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في غار حراء، وقبل نزول الوحي، دخل في رحلة فكرية عميقة أيقن فيها بوجود إله واحد لهذا الكون. بعقله النقي وفطرته السليمة أدرك أن القتل، والسرقة، والزنا، والخمر، وغيرها من مظاهر الجاهلية، هي أخطاء يجب أن تنبذ. وكأنه أصبح مسلما بفطرته قبل أن ينزل عليه الوحي.

لا يمكن القول إن جميع العرب نرجسيون، ولكن يمكن الجزم بأن هذه الصفة تغلب على الكثيرين منهم. ولهذا، فإن اختيار النبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء لكونه على النقيض تماما، خاليا من النرجسية، متجردا من حب السلطة أو الحكم. لقد كان رسولا لله بحق، ولو أراد الملك لكان ملكا، لكنه اختار أن يكون رسولا مخلصا لربه.

قدر الله عز وجل أن يحيط النبي برجال صالحين لا يطمعون في الحكم أو السلطة، لينقلوا الإسلام بصورته النقية. لكن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلاء، ظهرت الأجيال التي حملت الإسلام، مستمدة قوتها من الصفات النرجسية الحميدة.

كما ذكرت، النرجسية تحمل الخير والشر معا. فمن خصالها الحميدة تحمل المسؤولية، والشهامة، والكرم، والنخوة والشرف، وحب الحفاظ على الإرث، وغيرها من صفات العرب الحميدة. لكنها في المقابل قد تؤدي إلى هوس بالسلطة والصراعات إذا لم تضبط بتعاليم الإسلام. فسيقتتل النرجسيون ويذيق بعضهم بأس بعض في سبيل السلطة، حتى وإن كانت تلك السلطة تتمثل في الخلافة أو نشر الإسلام.

فإذا تحكم النرجسيون بنرجسيتهم وفق تعاليم الإسلام، حظوا بصفات القيادة والشجاعة التي أسهمت في نشر الإسلام، وهذا ما حدث في عصر الإسلام الذهبي. أما إذا غلبت النرجسية عليهم، فالنظر إلى واقعنا الحالي يكفي للإجابة.