حماس والعشرة شواقل!
د. رمزي عودة

في غزة كل شيء مختلف، العدوان يأكل كل شيء، مجاعة تنتشر كالوباء، تنتقل من الجنوب الى الشمال، ومن الشمال الى الجنوب وكأنها تتحرك عكس عقارب الساعة، لا تريد أن تتوقف لا هي ولا قوافل المساعدات القليلة التي يتركها جيش الاحتلال لتصل الى يد اللصوص وليس المحتاجين.
في غزة الأطفال لا يحلمون ولكنهم فقط يتمنون الحياة.. في غزة البحر لا ينقل السفن ولكنه ينقل الجثث. في غزة اللون الأحمر هو الذي يطغى على كل الألوان. في غزة ما زال هنالك شعب يصرخ "لا للاحتلال" ولكنه أيضا يريد أن يعيش بسلام. في غزة النقود برغم شحها الا أنها لا تقبل جميعها في التداول، حيث لا تقبل العشرة شواقل في التداول ولكن الخمسة وغيرها تقبل!
لم تعد الدوائر التابعة لحماس تقبل العشرة شواقل في تداولاتها القليلة.
ذهب أحد الأصدقاء المراجعين الى دائرة الأحوال الشخصية ليسجل طفلته الجديدة، عرض عليهم عشرة شواقل رسوما للتسجيل، ولكنه فوجئ بأن الدائرة لم تقبل تحصيلها، وأصرت فقط على مبلغ الخمسة شواقل كرسوم تسجيل الولادة الجديدة.
في البداية اعتقد صديقي انهم لا يملكون (فكة) العشرة شواقل فأخبرهم بأن يأخذوا الباقي، ولكنهم رفضوا، فاعتقد بأن هذا الرفض نتيجة للنزاهة والشفافية منعا للرشاوى والفساد، ولكنهم أخبروه أن عملة العشرة شواقل غير مقبولة لديهم وأن عليه صرفها، فاضطر هذا الصديق الى الذهاب الى السوق وشراء شيء بسيط حتى يحصل على مبلغ الخمسة شواقل، حيث انهم سرعان ما قبلوها دون تردد.
سألت هذا الصديق ساخرا: ما الذي يحصل بالضبط؟ فأجاب أن البعض يروج أنها مزورة، والبعض الآخر يخبرنا بأن التجار لا يقبلون التداول بها. شيء غريب تماما كما ان كل شيء يحدث بغرابة في غزة. وعندما قمت بالاستفسار من بعض أصدقائنا في القطاع، أخبرني بعضهم أن شريحة الموظفين الذين يحصلون على رواتبهم من قبل السلطة الوطنية لا يستطيعون صرفها من خلال البنوك لأنها دمرت، ولا يستطيعون صرفها أيضا من قبل الصرافين لأنهم يحصلون على نسبة تتجاوز الثلث من قيمة الراتب كفائدة. وبالتالي يضطر هؤلاء الموظفون وهم بالمناسبة كثر، الى تحويل هذا الراتب الى التجار من خلال تطبيق بنكي، بالمقابل يقوم التاجر بعد أن يتلقى مبلغ التحويل الى إعطائهم هذا المبلغ نقدا مع عمولة بسيطة. وفي العادة، فإن التجار يملكون عشرات الشواقل في جعبتهم ويتخلصون منها من خلال مقايضتها لشريحة الموظفين. بكلمات أخرى، تعم الفائدة المشتركة بين الطرفين، حيث يتخلص التاجر من فائض العملات المعدنية لديه وينجح الموظف من الافلات من قبضة الصرافين الذين يحصلون على نسبة تقارب الثلث من رواتبهم كفائدة لعملية التحويل. وهذه العملية كلها (تبادل النقد المعدني) تأتي في سياق عدم وجود بنوك عاملة في القطاع. وربما، فإن كل هذه العملية وإن بدت مختلفة وغريبة، الا أنها منطقية، ولكن المستغرب هو أن تقوم الجماعات الحمساوية بعدم التدوال بالعملة المعدنية العشرة شواقل، فما دخل هذه المؤسسات بالتجار والموظفين والصرافين؟.
في الواقع الاجابة بسيطة ويمكن استنتاجها بسهولة، وهي أن نسبة الثلث التي يتقاضاها الصرافين من صرف رواتب الموظفين تحصل حماس بغير وجه حق على نسبة عالية منها! للأسف هذه الحقيقة، ففي غزة الجمرك ليس فقط على شاحنات المساعدات وإنما أيضا على الرواتب، والربا على ما يبدو عند حماي ليس محرما عندما يفرض على رواتب موظفي السلطة الوطنية حتى في زمن الابادة الجماعية!
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي