كل فرنجي برنجي
حنان باكير
لا نجادل في اهمية تعلم اللغات. فكل لغة هي ثقافة جديدة، وفضاء منفتح الآفاق على الحضارات. وزادت أهمية الموضوع، بعد فورة الانفتاح المعلوماتي والتكنولوجي، الذي يأتي بالعالم اليك، وداخل غرفتك. لكن أن تتحول اللغة الى عقدة، ومادة للتفاخر الهش، فهذه عقدة نفسية، أو عقدة شعور بالنقص.
لا تقتصر هذه العقدة على شريحة معينة من الناس.. فنحن نرى تهافت بعض الكتاب وبكل طاقاتهم، لترجمة كتبهم أو اعمالهم الادبية، الى لغات اجنبية. فهذا معيار ابداعهم، وشهادة تفوقهم، ودخولهم مجال الشهرة العالمية. لا ننكر وجود نهضة ادبية راقية، ومنها ما يستحق الترجمة. لكن ترجمة الكتاب أو عدمه، لا تعني التميز او الرداءة، لا سيما في ظل عدم الاهتمام بموضوع الترجمة في بلادنا.
أعرف كاتبا، قام بترجمة كتاب له، الى ثلاث لغات عدا العربية. وصار الأمر مصدر فخره واعتزازه، في كل مجلس يضمه. لكن لا أحد يدري، أنه دفع تكاليف الترجمات من جيبه الخاص، ولم يكن صادرا عن مؤسسة ثقافية، الى جانب ان الترجمة كانت في غاية السوء. وبعض الذين يترجم لهم نصا أو قصة قصيرة أو مقطعا من قصة، يدعون في المقابلات والحوارات، بأن اعمالهم تترجم لفرادتها وتميزها، وأعرف بعضا منهم. ومن الكتاب من يسعون لاستغلال علاقات شخصية، لترشيح اعمالهم للترجمة..
بحدود معلوماتي المتواضعة، وتنقلي بين اكثر من بلد غربي، لم أشهد محطة تلفزيونية أو اذاعة، يستخدمون، أو يطعمون كلامهم، بكلمات أو تعابير من لغات اجنبية. والعكس تماما في بعض الاذاعات والتلفزيونات العربية! ففي الحوارات أو النقاشات الجدية، او البرامج الترفيهية، لا بد من التفصحن واستعمال بضع كلمات اجنبية.. ففي حوار مع شخصية رزينة، خلال برنامج سياسي، استعمل احد الضيوف كلمة انجليزية بشكل خاطئ، صححها له محاوره اللدود، حفظها وكررها، ولم يستعمل غيرها! وبعض المتكلمين، يعمد الى التأتأة، فتحضره الكلمة الاجنبية، بسرعة البرق بعد أن تتقاعس الكلمة العربية.
حبذا لو أن هؤلاء يستعملون قدراتهم اللغوية، للإطلاع على الثقافات الاخرى، بدل استعراض بضع كلمات التقطوها من هنا وهناك، للفت النظر الى عمق ثقافتهم وسعة اطلاعهم. أما في البرامج المنوعة، فلا تسل عن الفذلكات والتظاهر بضعف لغتهم العربية، وهنا يضيع المشاهد المسكين، الذي لم يحظ بفرصتهم الذهبية بتعلم لغة اجنبية. وفي ملاحظة سريعة لبرامجنا العربية، نكتشف أن لا شيء فيها من ابتكارنا، بل هي مأخوذة ومقلدة عن برامج غربية، مع بعض التشويه!
على الصعيد الشعبي، أذكر يوم بدأت طفرة استقدام اليد العاملة من الفليبين وسريلانكا، للخدمة في البيوت، حيث كانت إجادة اللغة الانجليزية، شرطا اساسيا، لتكون لغة المخاطبة مع الأولاد في البيت.. ومكاتب الاستخدام تزيد الرسوم، كون المستخدمة تجيد الانجليزية او الفرنسية.
ومن مدعاة الفخر عند كثير من المهاجرين الى الدول الغربية، أن اولادهم لا يتقنون اللغة العربية! يقولونها بأسى متظاهرين بعدم الرضا عن ذلك، فيما هم يقصدون المدح في معرض الذم!
رحم الله جدتي التي كثيرا ما كانت تردد" كل فرنجي برنجي". ويا ليتنا ندرك ان "البرنجي" عند ذلك الافرنجي، هو الفكر والاكتشافات الطبية والاختراعات، وتمجيد دور العقل، في وقت يقتصر فيه دورنا على الاستهلاك، والتفرج على عالم يسير بسرعة الضوء، في عملية تطور، يغير أنماط الحياة، فنضطر الى مجاراة بعضها، وما لا تستوعبه مداركنا، نقول: هذا كفر مرفوض!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل