أصحاب الشعارات والمزايدات.. ماذا جنينا من ورائهم؟
باسم برهوم

الشعارات والمزايدات ليست بنت الحرب الحالية، بل هي لازمت القضية الفلسطينية، منذ نشأتها الاولى، منذ صدر وعد بلفور الشهير عام 1917، وبدا المشروع الصهيوني يأخذ طريقة للتنفيذ بدعم الإمبراطورية البريطانية، والدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، لان عصبة الأمم، التي اسستها هذه الدول، التي تبنت آنذاك بلفور عبر صك الانتداب، وبالتالي ربطت الانتداب البريطاني بشرط تنفيذ الوعد. في تلك المرحلة وحتى نكبة العام 1948، كانت المزايدات تدور بين زعماء العائلات الفلسطينية، فلم يكن هناك احزاب او فصائل حقيقية، وكان التنافس العائلي غالبا ما يفرض استخدام الشعارات الطنانة والمزايدات بهدف كسب الجمهور وتعزيز مكانة العائلة.
بعد النكبة، وقبل انطلاقة فتح وظهور فصائل الثورة الفلسطينية، انتقل مرض المزايدات والشعارات إلى الاحزاب القومية المتنافسة، حزب البعث، حركة القوميين العرب، والناصريين، نسبة للرئيس المصري جمال عبد الناصر. لقد تبنت هذه الاحزاب شعارات القضاء على إسرائيل بقوة السلاح. وتحرير فلسطين، وطرحت شعار "الوحدة طريق التحرير " اي تحقيق الوحدة العربية ومن ثم تحرير فلسطين. مزايدات الاحزاب والأنظمة " القومية " قادتنا لهزيمة حزيران 1967 المدوية، بعد أن نامت المجتمعات العربية على حرير، وعلى ثقة كاذبة، فكانت هزيمة بحرب لم تستغرق سوى ستة ايام.
نعود للساحة الفلسطينية بعد انطلاقة فتح، اول حركة، او تنظيم وطني فلسطيني بمنطلقات وطنية فلسطينية بحته، وبعد انطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965 وتأسيس فصائل المقاومة، كانت المزايدات جزءا مهما من السياسة الداخلية الفلسطينية، وانتقلت اليها اساسا من ذات الاحزاب القومية، والتي فرخت فصائل فلسطينية، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هي امتداد لحركة القوميين العرب، والصاعقة امتداد لحزب البعث الحاكم في سورية، وجبهة التحرير العربية فرع حزب البعث العراقي، والجبهة الشعبية القيادة العامة كانت مدعومة من سوريا ومعمر القذافي في ليبيا، فالمزيدات في الساحة الفلسطينية كانت عمليا امتداد لمزايدات الانظمة العربية فيما بينها.
لقد كلفت الشعارات الرنانة، والمزايدات الفارغة الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني تضحيات هائلةوخسائر سياسية ومادية، احداث ايلول المؤسفة عام 1970 في الاردن، وخلال الحرب الاهلية في لبنان.
كل من أراد استخدام القضية الفلسطينية لجأ إلى المزايدات والشعارات الكلية، لان أصحاب هذه المزايدات باختصار لا يخسرون شيئا، فالشعب الفلسطيني وقضيته وحدهما الخاسر، وباستثناء مراحل محدودة وفي ظروف معينة كانت الساحة الفلسطينية تشهد توافقا، وتنتصر العقلانية والموضوعية على شحن العواطف والغرائز. والملاحظ ان الانظمة العربية وعندما كانت تمرعلاقاتها بهدن وتجنح نحو الاتفاق والتعاون، كانت المزايدات في الساحة الفلسطينية تتراجع، وتميل الكفة لمصلحة الحوار الهادئ والمواقف الواقعية.
وبعد توقيع اتفاقيات اوسلو، اتفاق اعلان المبادئء والاتفاقيات المرحلية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان للمزايدات اثرها السلبي لجر الشعب تدريجيا الى واقع النكبة الحالية، صحيح ان اليمين المتطرف الإسرائيلي كان العنصر الابرز في تدمير السلام، فهذا اليمين اغتال رابين، واغتال اوسلو معه، ولكن في الجانب الفلسطيني والعربي، احزاب وفصائل وأنظمة ، قدمت عبر المزايدات خدمة لهذا اليمين الإسرائيلي لينفذ اجندته الشيطانية. وخلال الحربالحالية ماذا قدم الطبالون والزمارون للشعب الفلسطيني في قطاع غزة وفي الضفة، لم يقدموا سوى تشويه للوعي والتضليل، واللعب على العواطف والغرائز، حتى ان قسما كبيرا من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لم تدرك، بسبب هذا التضليل ان نكبة قد حصلت للشعب الفلسطيني والأمة العربية.
ولكي نضع النقاط على حروف العقود الاخيرة، والحرب الحالية، فإن المزايدات والتضليل كان عملا ممنهجا، شاركت بها وسائل إعلام ضخمة، وقوى ونخب مأجورة، ومراكز بحث ودراسات، وأجهزة ومؤسسات لا نعلم من هو محركها الرئيسي. في المراحل السابقة، كانت المزايدات والشعارات تعبيرا عن عمل ساذج غير واع، انما هي اليوم عمل مدروس ويملك كامل الأدوات والامكانيات، والهدف ان لا يستخدم المواطن الفلسطيني والعربي عقله بشكل حر مستقل، انما يكون مرتهنا لتلك الادوات والماكينات بكل ما لها من أشكال وتفرعات.
لنسأل أنفسنا وفي كل العهود.. ما الذي حققته المزايدات والشعارات الرنانة للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية؟ هل حررت شبرا من فلسطين ام انها كانت تمنح إسرائيل مبرر التوسع، وتمنح هذا اليمينالمتطرف المبررات والوقت لإرتكاب الجرائم وتنفيذ اهدافه التوسعية؟
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي