حين تصبح المفاوضات أداة حرب
رامز المغني*

دخلت حرب الإبادة على غزة شهرها الحادي عشر، وما زالت مفاوضات صفقة تبادل الأسرى تراوح مكانها منذ انتهاء الصفقة الأولى والوحيدة في نوفمبر 2023، الأمر الذي يكشف لنا أن الحكومة الإسرائيلية وكعادة كل الحكومات السابقة، تستغل المفاوضات من أجل كسب الوقت لفرض الوقائع على الأرض، ومن ثم تصبح هذه الوقائع الجديدة محاور إضافية للتفاوض والمساومة، وهو ما حدث ويحدث في مفاوضات حرب الإبادة على غزة، حيث إن الحكومة الإسرائيلية تعمدت عرقلة الصفقة في اللحظات الحاسمة منها، من خلال وضع شروط جديدة لم تكن مطروحة للوسطاء، أو القيام بعمليات عسكرية تعقد المفاوضات، وينجم عنها احتلال مناطق جديدة بحجة السيطرة الأمنية على القطاع، كما حدث في رفح واحتلالها للمعبر ومحور فيلادلفيا. فبعد أن كانت المفاوضات تتمحور حول كيفية ومدى وتوقيت الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المأهولة في القطاع، أدخلت الحكومة الإسرائيلية محور فيلادلفيا ومعبر رفح إلى حلبة المفاوضات، كقضية مركزية يجري الآن التفاوض عليها بجانب المحاور الأخرى.
كل ذلك أدى إلى إطالة أمد المفاوضات بصورة تمادت معها آلة الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث أمعنت بشكل ممنهج في تدمير مدن القطاع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بشكل يجعل منه غير قابل للحياة، ما يعيد للشعب الفلسطيني شبح التهجير من جديد، ولربما هذه المرة بشكل أكثر مأساوية وقسوة! فحقيقة الحرب الإسرائيلية على غزة هي ليست تدمير القدرات العسكرية لحماس والفصائل المسلحة هناك كما تروج دولة الاحتلال، بل إبادة الشعب الفلسطيني في القطاع، ما سيدفعه لمغادرته بحثا عن الأمن وسبل الحياة، وبذلك تكون دولة الاحتلال تخلصت من العبء الديموغرافي المؤرق لها تاريخيا في غزة.
هذا على صعيد غزة. وفي الشطر الآخر في الضفة الغربية الأمور ليست ببعيدة عما يحدث في القطاع، ولربما المعركة الوجودية الحقيقية هي التي تجري بصمت هناك. فحكومة اليمين الصهيوني استغلت انشغال العالم بما يحدث في غزة، فوسعت من جرائمها المنظمة في الضفة الغربية، من مصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات، وقتل وتدمير وحصار وقرصنة مالية لأموال السلطة الفلسطينية، في محاولة منها لإنهاء وجودها، الأمر الذي يمهد الطريق لتحقيق حلم اليمين الصهيوني بالدولة اليهودية على كامل أرض فلسطين. والعمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية هناك، وبدء الحديث عن إخلاء بعض المناطق والمخيمات من السكان، على غرار ما يحدث في غزة، لهو دليل واضح على مخطط اليمين الصهيوني بالقضاء على مشروع الدولة الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة على حد سواء.
كل ذلك يحدث في ظل حالة من الفوضى أنتجتها الحسابات الخاطئة والكارثية لما يسمى محور المقاومة، التي لم تكن يوما وطنية بقدر ماهي إيرانية. فأحد عشر شهرا من حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني في غزة، كفيلة بما لا يدع مجالا للشك، بأن غزة لم تكن يوما على أجندة هذ المحور، بل تم تسخيرها لتحقيق أهداف طائفية خالصة، وحين وقعت الواقعة، تم ترك غزة لمواجهة مصيرها.
الآن ولكي نعيد البوصلة نحو الوطنية الفلسطينية من جديد، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الحرب المدمرة، على الجميع وأقصد بالجميع، كل فصائل وأحزاب العمل الوطني والإسلامي التي تغرد خارج منظمة التحرير، الدخول إليها دون قيد أو شرط، كونها الإطار الجامع للفلسطينيين، وهي الكيان الرئيس والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وهي القادرة بمشاركة الكل الفلسطيني داخل إطارها، على قيادة الدفة نحو بر الأمان من الخطر الوجودي المحدق بالفلسطينيين. أما التعلق بأوهام التحالفات والمحاور غير الوطنية، والحزبية الفردية الضيقة، فهي كاللهاث وراء السراب!
----------
* كاتب ومحلل سياسي
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي