الدب الروسي
د. أسامة الفرا
الفرق بين روسيا اليوم وروسيا قبل عقد ونيف هو ذات الفرق بين الرئيس الروسي "بوتين" وهو يمارس لعبة الجودو والرئيس الروسي السابق "يلتسين" وهو يترنح على خشبة المسرح، مع انهيار الاتحاد السوفييتي بدأت أميركا تتصرف باعتبارها شرطي العالم الأوحد، ولم تنتظر طويلاً كي تستعرض عضلاتها بعيداً عن حدودها الجغرافية، راحت تسابق الزمن كي تدخل دول العالم قاطبة إلى بيت الطاعة الأميركي، لم ترغب في اضاعة المزيد من الوقت في نقاش مع حلفائها التقليديين حول سياستها الدولية القادمة باعتبارها قطب العالم الأوحد الذي يجب أن تدور في فلكه دول العالم دون استثناء، سواء فعلت ذلك برغبتها أم رغماً عن أنفها، ملامح شرطي العالم تجسدت ليس فقط عبر استعراض القوة هنا أو هناك، بل أيضاً في تصريحات المسؤولين التي باتت تتسم بالكثير من الفوقية والغرور.
في الوقت الذي أخذت فيه الهيمنة الأميركية تفرد جناحيها على العالم، بدأ الرئيس "بوتين" بإعادة ترتيب البيت الروسي، روسيا التي لم يعد اقتصادها قادراً على حمل أقدام المواطنين في الشوارع المكدسة بالثلوج، وروسيا التي تسيطر على مقدراتها عصابات المافيا، تلك العصابات التي استطاعت أن تحاصر الدولة داخل مبانيها الحكومية، وروسيا التي تتازع مراكز النفوذ فيها على الفوز بامتيازات لها، لا يمكن لها أن تستعيد شيئاً من مجدها، ولن يكون بمقدورها إعادة هيبتها على طاولة السياسة الدولية، أدرك بوتين أن مقعد الاتحاد السوفييتي سيبقى الحاضر الغائب على المسرح الدولي طالما روسيا تتخبط في وضعها الداخلي، لذلك صب جل جهده على معالجة قضايا روسيا الداخلية، وترك أميركا تمارس دور شرطي العالم دون تعكير جاد لمهامها.
استطاع بوتين في فترة زمنية وجيزة أن يعيد روسيا إلى مجدها، وأن يسترجع هيبة الدب الروسي في الدفاع عن مصالحه، وأن يعيد للمقعد الروسي على طاولة السياسة الدولية مكانته، والذي معه لن يتمكن وزير خارجة اميركا "جون كيري" من الاستعانة بما قالته هيلاري كلينتون، ابان الاحداث التي شهدتها مصر حين طالبت مبارك بالرحيل عبر جملتها الشهيرة "الآن تعني الآن"، لفرض ارادة اميركا على النظام في سوريا، مؤكد أن ايران ومعها حزب الله دافعت باستماتة عن النظام السوري، لكن المؤكد أن حكم بشار الأسد ما كان له ان يصمد في وجه القوى الدولية والاقليمية الساعية لإزاحته عن المشهد السياسي في سوريا، لو لم يقف الدب الروسي ليدافع عن عرين الأسد وعن قواعده الأخيرة في المنطقة، في الوقت الذي اعتقد فيه الغرب أن الدب الروسي تخلى عن دوره لصالح الدمية "ماتريوشكا".
تنامت العلاقة بين روسيا ومصر بوتيرة سريعة، وتم ترجمتها على الفور عبر صفقة سلاح ومشروع الضبعة للاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ومعها بدأت روسيا تسترجع مكانتها في المنطقة، ويدرك الجميع اليوم أن لا حل لمشكلة سوريا دون روسيا، بل ذهب وزير خارجية قطر لأبعد من ذلك حين قال "بإستطاعة روسيا المساهمة في حل الكثير من المشاكل في منطقة الشرق الأوسط"، لا يعني ذلك غياب الدور الأميركي فما زالت الإدارة الأميركية تمسك بيدها العديد من خيوط اللعبة في منطقة الشرق الأوسط، لكنها لم تعد الشرطي الذي يتحكم بمقاليدها.
تبقى منطقة الشرق الأوسط ساحة منازلة بين القوى العظمى، وبالتأكيد أن الشعوب العربية تدفع من دمها ومقدراتها فاتورة ذلك، وطالما بقي البيت العربي مهلهلاً من داخله سنبقى على هذا الحال إن لم تنحدر الأمور إلى الأسوأ، وكي يخرج العرب من ساحة الاقتتال الداخلي التي قد تتسع رقعتها لحرب اقليمية لا بد من ترتيب الوضع الداخلي أولا، ولا يتم ذلك عبر أيد خفية تعبث بنا، بل عبر حوار معمق فيما بيننا نتفق من خلاله على خارطة طريق ننجو بها من تلاطم الأمواج التي تعصف بالمنطقة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل