يحدث فقط.. في فلسطين
حنان باكير
المعجزة ليست صنيعة بشرية، بل غالبا ما ارتبطت بقدرة خارقة. لكن في فلسطين، يبتدع الفلسطينيون لكل يوم معجزة تليق به. معجزة تحفظ وجوده، وتحفظ هويته. ففي كل يوم قربان وجنازة.. تصحو الأم لتتلو صلاة السلامة لأبنائها الذاهبين الى المدارس، والعائدين منها. "الله يجعللكم في كل خطوة سلامة" الآن فهمنا جيدا.. كيف نحتاج دعاء السلامة لكل خطوة على هذه الأرض. شبان خلف القضبان يؤمنون بأن "حرية السجون ولا سجن المنافي".
يحدث في فلسطين.. أن تقتل الأطفال، فتحمل الزوجات بلا اتصال، من أزواج داخل السجون. يتسلل المنيّ، داخل واقي الحمل أو كيس بلاستيكي، يختبئ داخل حقيبة، أو صدر امرأة. يقطع المسافات في البرد أو الحر، ينتظر على معبر مغلق بمزاج عسكرييه. يدخل أقرب مشفى، ليرتاح أخيرا في رحم أمه، وينبت مثل شتلة زيتون.. انه في فلسطين.
امرأة تضع وليدها على الحاجز، ولا تجد غير نسوة بلا خبرة، يساعدنها على استقبال الوليد، من دون أدوات معقمة، ومن دون مطهرات، وبلا ملابس جميلة، يلفّ الطفل بخرقة من ملابس أمه، ثم يعود الى بيته، وقد دونت ذاكرته، تلك اللحظات الاولى في ظل احتلال سيظل يتربص به، حتى يخطو أولى خطواته، في حاكورة بيته. فهنا يضرب الموت خبط عشواء، حاصدا الأرواح بالعشرات.. تحشر الأطفال في أقفاص حديدية، كالطيور، ويتركون في برد قارس، ومع ذلك يصرخون: "ما بهمّش". ويفقد المحققون أعصابهم أمام طفل لا يردّ الا بـ "ما بتذكرش".
وهنا ايضا، يقف كهل ثمانيني، فاردا ذراعيه لتطوق مجموعة مدججة بالسلاح الدروع والخوذات، فيردّ الموت الزؤام عن مواطنيه. السلاح لا يمنح الطمأنينة، إزاء من يتسلح بإصراره على حقه في ترابه.
يحدث في فلسطين، أن يهدم بولدوزر غاشم البيوت، ويشرد اصحابها في العراء. فيقتصد الفقراء من قوت يومهم، للمساهمة في إعادة بناء البيوت. الهدم والبناء، دائرة لا تتوقف. هي الناس هكذا في أرض المعجزات.. حكاية الفزعات، فلسطينية بامتياز. كانت تسمى في الزمن السعيد، "العمل الجماعي". يتكاتفون ويهرعون بمناجلهم لحصد قمحهم، وقطاف زيتونهم وبرتقالهم. وحين قلبت لهم الدنيا ظهر المجنّ، حملوا بنادقهم وساروا في فزعات لردّ العدوان على أي مدينة أو قرية، تطالها يد الشر. اليوم صارت الفزعات، مسيرات نحو القرى المهدمة والمجرّفة، تنصب الخيام، وترفع اليافطات بأسماء القرى وشوارعها وأحيائها.. وإعادة بنائها رمزيا ووجدانيا، في ذاكرة الاجيال الناشئة.
وللفزعات مهمة أخرى.. منع تجريف البيوت في عكا وغيرها.. فيحولون البيت المستهدف، الى كرنفال للدبكة والأناشيد، وعرض المسرحيات.. فيرتد البلدوزر خائبا مخزيا، من عرض عضلاته المعدنية على عُزّل، يقابلونه بلحمهم العاري، وجلّ سلاحهم حب الأرض.
ويحدث في فلسطين أيضا.. أن يواجه الرصاص وفوهات المدافع بالدبكة، والاحتفال بأعياد الميلاد، ومعابثة الآلة الحربية، بالسخرية منها. ثم تتحول زجاجات الماء البلاستيكية، الى مركب شراعي، يرفع العلم الفلسطيني، ويجوب بحرا تعرف موجاته النبض الفلسطيني. وفي المطهر، تنجب غزة المبدعين ففي كل يوم يبرز نابغ في مجال ما!
ويحدث في فلسطين ايضا.. أن تسنّ الأقلام مثل السيوف القاطعة، في مواجهة تزوير التاريخ وسرقة التراث، فالخالصة التي تحوّلت وبأقلام عربية الى مستعمرة صهيونية، تواجه بعيون يقظة تحفظ تاريخها جيدا.. فمن يجرؤ على الاعتقاد، بأن عصر المعجزات قد ولّى!
صديقة اوروبية قالت لي: الفلسطيني يموت وأنفه شامخ!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل