أهمية الاعتراف بالدولة الفلسطينية في التوقيت الصعب
باسم برهوم

هناك ما يمكن أن نطلق عليه "إنقاذ اللحظة الأخيرة"، لأن هناك سباقا حقيقيا مع الزمن بين آلة الهدم والتدمير والقتل الإسرائيلية العسكرية والسياسية والاقتصادية، سواء في قطاع غزة أو الضفة والقدس الشرقية، وبين مسألة إنقاذ حل الدولتين، وربما من هنا تأتي أهمية اعتراف كل من إسبانيا، النرويج وايرلندا وسلوفينيا ودول أخرى بالدولة الفلسطينية، فهذا الاعتراف، وفي هذه اللحظة العصيبة، يشكل دعما استثنائيا لإبقاء الأمل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. ويمكن أن يصبح الزخم فارقا إذا استكملت دول أوروبية أخرى عملية الإنقاذ، وبالتحديد في هذه المرحلة اعتراف دول مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال.
وباستثناء إيطاليا، التي تقودها حكومة يمينية هذه الفترة، فإن كلاً من فرنسا وبلجيكا والبرتغال كانت ضمن الدول الـ143، التي صوتت لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل عدة أسابيع، ما يشير إلى أنها قد تعترف في الأشهر القادمة.
إبقاء حل الدولتين حيا وممكنا يعني أن السلام الشامل ما زال ممكنا، لأن البديل هو صراع دموي بلا نهاية، وعنف وعدم استقرار اقليمي ودولي، فالاعترافات الأخيرة تعني أيضا من بين ما تعني أن العالم لا يزال يفكر بعقله ولا يتصرف بغرائزه المتوحشة المنفلتة، لا يزال يؤمن بأهمية احترام القانون الدولي وثقافة الشرعية الدولية، وهذا بحد ذاته لا يعطي أملا للشعب الفلسطيني فقط، وإنما لكل الناس العاديين الذين يرفضون منطق القوة ويرغبون بالسلام والتعايش بين الشعوب.
حل الدولتين أصبح معيارا لمفردات كثيرة يكررها المجتمع الدولي ولا ينفذها، مثل المصداقية والعدل والإنصاف والحوار والتعايش، وهذا مرتبط بمنظومة القيم التي طورتها البشرية عبر آلاف السنين، صحيح أن الإنسان لا يزال تشده حياة الغابة وقانون الغاب، وهنا أهمية الضوابط، وحل الدولتين أصبح مرتبطا بهذه الضوابط.
هناك مقولة كنا نرددها منذ زمن أن ليس هناك شعب زائد في الشرق الأوسط، إنما هناك دولة ناقصة هي الدولة الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني أثبت أنه جدير بالحرية وأن يكون له دولته المستقلة الخاصة به، العالم اليوم أصبح أكثر اقتناعا بهذه المقولة، في الواقع الغالبية العظمى من الدول كانت تدرك ذلك ولكن المشكلة هي في الدولة الأكثر تحكما بالعالم والشرق الأوسط، الولايات المتحدة الأميركية هي من يعيق وجود دولة فلسطينية على خارطة الشرق الأوسط، وإلا ماذا يعني أن هناك أكثر من 140 دولة تعترف بالدولة الفلسطينية وهذه الدولة لم تصبح كاملة العضوية حتى تاريخه في هيئة الأمم المتحدة؟
ربما من أكثر المرات التي نكرر فيها أنها "لحظة مصيرية" هي التي نمر بها هذه الأيام والأسابيع، فإما أن ينتصر منطق العقل والقانون وبالتالي تنتصر الدولة الفلسطينية أو أن ينتصر منطق القوة المتوحشة ويسمح لإسرائيل بتصفية القضية الفلسطينية لسنوات طويلة قادمة. مستقبل الشرق الأوسط اليوم بالميزان، مستقبل الدول العربية كلها بالميزان لأن الدولة الفلسطينية المدخل للأمن والاستقرار، وإذا مرت هذه اللحظة فإن سلاما لن يحل في المنطقة كما أن القضية الفلسطينية ستكون مهددة بالتصفية لعقود طويلة قادمة.
هناك من تستهويهم فكرة تصفية القضية الفلسطينية، لأنها من وجهة نظرهم الأقرب والأسهل للتحقق من فكرة الاستمرار بالصراع، أو الفكرة القديمة إزالة إسرائيل، هؤلاء يعتقدون أن تصفية القضية الفلسطينية مرة والى الأبد هو أمر ممكن ومن بينهم غلاة الصهاينة ومن هم في مركز القرار بالدول الكبرى، والبعض من الأشقاء العرب. ولكن ما يمنح الأمل هو البيئة الإيجابية الجديدة على الساحة الدولية، والتي باتت تدرك بشكل أعمق أهمية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وحصول الشعب الفلسطيني على دولته، فاستمرار الاحتلال يعني مواصلة الصراع الدامي، وبالتالي السماح باستخدام القضية الفلسطينية واستغلالها لخدمة أجندات اقليمية، ما يدفع باتجاه المزيد من التوتر.
العالم المتحضر، العالم الذي يحترم القانون الدولي والذي يرى مسألة الاعتراف بدولة فلسطينية هي انتصار للعدل، وبأن تصبح هذه الدولة حقيقة واقعة في الرقعة الجغرافية، ولكن ما يجعل الأمر أكثر جدوى ويشكل ضغطا على المعارضين كي تصبح فلسطين دولة كاملة العضوية، هو إنهاء الانقسام الفلسطيني، وبالتحديد فصل قطاع غزة عن الضفة، وهو ما لم يلمسه العالم، خصوصا أن حماس لا تزال تواصل إصرارها على حكم غزة منفردة رغم كل الدمار الذي جرى ويجري.
فما يجعل كفة الميزان ترجح تماما هو أن تظهر وحدة القطاع والضفة والقدس الشرقية، وأن يكون للشعب الفلسطيني مركز قرار سياسي واحد، وأن يكون هناك مسار ديموقراطي ينتهي بانتخابات عامة يقرر الشعب الفلسطيني من خلالها خيارته.
من هنا أهمية أن يتم توافق وطني على أن تتحمل الحكومة الفلسطينية، التي تقول إنها ستعمل على إجراء الانتخابات، مسؤوليتها على كافة أراضي الدولة الفلسطينية، بدون هذا المشهد الفلسطيني الإيجابي، وهو المشهد الذي يمكن أن يتوج بانضمام حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لا يمكن الرهان على زخم الاعتراف بالدولة.
مواضيع ذات صلة
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور