إسرائيل.. وخسارتها للسردية
عمار جمهور

بات من الواضح للعالم اليوم بأن سردية اسرائيل قد أعطبت وتراجعت مصداقيتها، جراء جملة من التضليلات والمغالطات المنافية للواقع وللحقيقة. وكشف زيف ادعائها، جراء سياساتها وممارساتها غير الانسانية في حربها على شعبنا في الارض الفلسطينية المحتلة "الضفة الغربية وغزة". وفي حقيقة الامر ان حكومة الاحتلال الاسرائيلي باتت تدرك بانه إذا ما خيرت ما بين ان تضحصورتها الطبيعيةوتتراجع مصداقيتها امام العالم وبين الحفاظ على بقائها، فانها ستختار وجودها مهما بلغت الاثمان الباهظة، التي ستدفعها فهذه الحرب بالنسبة اليها هي حرب وجودية.
وبدت ادارة الرئيس الامريكي جو بايدن ممثلة بوزير خارجيتها أنتوني بلينكن مقتنعة بخسار اسرائيل لمعركة السردية. وهذا ما عبر عنه بلينكن بكل وضوح خلال حوار دار بينه وبين السيناتور الجمهوري ميت رومني في منتدى سيدونا بداية الشهر الحالي بتنظيم من معهد ماكين في سيدونا بولاية أريزونا. الا ان اتفاقهما لم يعتمد على أصل الجذور الحقيقية لتراجع سردية حكومة الاحتلال، وانما حملا السبب وراء ذلك على موقع التواصل الاجتماعي "تيك توك". وشكك بلينكن في مصداقية "التطبيق"، معتبرا ان الجمهور الغربي "الاميركي" بات يستقي معلوماته دون التأكد من صحتها وحقيقتها وانه لا يقرأ من مصادر الاخبار الموثوقة، مشيرا الى ان مواقع التواصل الاجتماعي قنوات فوضوية. وهذا يظهر حنق الادارة الامريكية من تخطي المعلومات المتدفقة للرأي العام الامريكي لدور الحارس البواب "الدور التقليدي" لوسائل الاعلام، الذي يحدد ما ينشر وما لا ينشر وما يصلح وما لا يصلح وفقدانها السيطرة والقدرة على المواءمة ما بين ما يرد من معلومات وما يجب ان ينشر.
ويشبه بلينكن دور وسائل التواصل الاعلامي بانها عبارة عن تغذية وريدية من المعلومات مع نبضات جديدة ومدخلات كل ثانية، وهذا اعتراف ضمني الى عدم قدرة صانع القرار السياسي الغربي التحكم بزمام الامور المتعلقة بطبعية ولوج المعلومات والاخبار الى الرأي العام. فهذا التدفق العارم للمعلومات عزز هيمنة السردية الفلسطينية. وان هذا الكم الهائل من المعلومات "الصور، فيديوهات، هاشتاغ، نصوص...إلخ، شكل نظاما بيئيا لمنصات التواصل الاجتماعي يضيع فيه السياق والتاريخ والحقائق وتهيمن العاطفة وتأثير الصور، وان هذا النظام البيئي شكل صعوبة واضحة على انتشار السردية الاسرائيلية. هذا الطرح يأتي مغالطا للواقع والحقيقة وكأن وسائل الاعلام الغربية تمارس معايير الحياد والموضوعية والمصداقية. فما يتم على تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي قد يحتمل التضليل والفبركة، ولكن ذلك وان صح، لا يوازي حجم التضليل الاعلامي والتلاعب بالرأي العام الامريكي من قبل المؤسسات الاعلامية التقليدية الكبرى من صحف وفضائيات واذاعات ومواقع الكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بها.
توجهات الادارة الامريكية ممثلة برأي بلينكن تكشف نواياها في حظر واغلاق تيك توك في الولايات المتحدة الامريكية، لمنع وصول الامريكيين للبدائل والخيارات الاعلامية التي لا تخضع لها ولا تدور في فلكها، للحصول على المعلومات والاخبار وممارسة الديكتاتورية الاعلامية في بلد لطالما تغنى بالديمقراطية وحرية التعبير وحرية الاعلام، وحق الأمريكي بالوصول الى المعلومة، ضمن نظام السوق المفتوح الذي يعزز التنافس الحر، وضمان حرية الاختيار. واعتمد الكونغرس الأمريكي قانونا طالب من خلاله تيك توك بقطع علاقاته مع شركته الأم "بايت دانس" ومع الصين، لتفادي حظرها، مدعين وجود تخوفات متعلقة بالامن القومي، متهمين الصين باستخدام "تيك توك" لتنفيذ اعمال دعاية وتجسس. ومع كل ذلك اعلن تطبيق تيك توك انه لم يستخدم اي مراوغات او حيل لتوجيه الجمهور الامريكي للتعاطف تجاه الحرب على قطاع غزة، ولبرهنة صدق ادعائه ازال كل المحتوى المتضمن لخطاب الكراهية او معاداة السامية.
فالبرغم من ازالة المحتوى المتضمن لخطاب الكراهية ومعاداة السامية على منصات وسائل التواصل الاجتماعي "ميتا" او "انستغرام" او " تيك توك"، واتباع سياسية الخوارزميات من قبلها ولا سيما فيسبوك لحجب المحتوى المتعلق بالقضية الفلسطينية، الا ان لـ "تيك توك" أوردت احصائية اظهرت البيانات أن هناك إجمالي 5.7 مليون منشور يحمل علامة #FreePalestine مقارنة بإجمالي 214 ألف منشور يحمل علامة #standwith Israel. على انستغرام. ويوجد إجمالي 11 مليون منشور يحمل علامة #FreePalestine مقارنة بإجمالي 278 ألف منشور يحمل علامة #standwith Israel. على فيسبوك. وهذا يعطي مؤشرا ودلالة ان القضية لا تكمن في مصداقيتها "مواقع التواصل" وانما في رغبة ادارة بايدن رؤية نتائج مخالفة لرغباتها وتوجهاتها السياسية والاعلامية، ولو كانت النتائج غير ذلك او لصالح السردية الاسرائيلة لما اكترثت اطلاقا لذلك.
المعضلة الاساسية بالنسبة للادارة الاميركية تأتي من طبيعة عمل منصات التواصل الاجتماعي التي تكمن بتراجع قدرة الحكومات على التحكم بمضمون ومحتوى ما ينشر عليها ومكانه وزمانه. كما انها تسرق حق الامتياز من الحكومات "منصات التواصل الاجتماعي" بتوجيه الرأي العام وتحديد فرضيات استجابه للرسائل الاعلامية وسبل دفعه لاتخاذ قرارات وتبني سلوكيات محددة. وصانع القرار السياسي تصله ذات الرسالة التي تصل المواطن العادي وفي ذات اللحظة، مما يساهم بشكل واضح وجلي في السرعة والكيفية التي يتم من خلالها اتخاذ القرار السياسي الذي يحقق له المصلحة او الغاية المنشودة، سواء كانت بالسيطرة او التضليل والفبركة وفقا للاجندات السياسية والاعلامية.
مواضيع ذات صلة
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور