عصام ترشحاني..!
تغريدة الصباح- حسن حميد

الآن، تجتاحني قولة أهل التصوف: القرب حجاب! وتقيد قولي وتلجمه، وتجتاحني ظلموت المكان الذي تعدد وتشظى مثل جمار وقيد أيتها اللذع والحرق لقد عمى القرب أنظارنا وقلوبنا، فما عدنا نرى ما وهبنا الله إياه من جمال نايف، وسحر لا يدانى، حتى صارت الأفعال ظواهر، وصارت المواهب قرى للجمال، وعمى المكان المتشظي ما بين الوطن والمنفى أنظارنا وقلوبنا معا وقتا طويلا حتى استطعنا النفاذ لنرى ما وراء السياج، لنرى الحقل والبئر، ولنسمع النداء والغناء، ولنعي مفاعيل (آخ) وما تفعله من أعاجيب.
أمد هذا السطر الطويل، وأنا تحت تأثير رحيل الشاعر الفلسطيني عصام ترشحاني، ابن فرية ترشيحا الرابضة في علوة من علوات الجليل، والمحاطة بالجبال الشواهد، والحقول الخصبة، والمراعي الرحبة، والمزينة بألوان الدودحان والزنابق البرية والطيور المحلقات قلائد.
رحل عصام ترشحاني، بعد أن عاش حوالي 80 سنة انتظارا في مدينة حلب، وفي مخيم النيرب الواقع ضاحيتها الجنوبية، ليوم عودته إلى ترشيحا التي عاش فيها حوالي خمس سنوات لاهيا فوق مصاطبها الصخرية الطويلة، وبين بيوتها الحجرية، المحاطة بشقائق النعمان؛ خمسون سنة وأزيد، قضاها عصام ترشحاني يكتب القصيدة الفلسطينية بقلم الانتظار مرة، ويقلم الأحلام مرة أخرى، ولا حبر يروي سطورها سوى الحبر الراهج المنادي بعلو الصوت: بلادي، بلادي.
قلة، من أهل الثقافة والآداب والفنون في بلادنا العزيزة فلسطين، هم الذين يعرفون عصام ترشحاني ومنجزه الشعري، وما فيه من قوة الحضور، وعزوم الشعر، وجمال الخيال وصوره الباذخات، وطرائق الإبداع التي تنير ظلمات القهر والأحزان، ومرارة انتظار العودة، وقولات يا حيف، ويا حسرتي، وياهلي، ويالغروب الحال والبال، ويا لعطش النشيد الذي لا يصل.
صوت عصام ترشحاني السقري المليء بالجهر الجمالي، والخصوبة العفية، والنضرة البهيجة، والسحرية النادرة، لم يصل إلى بلادنا كما يليق الوصول بالأحلام كيما تقر في موانئها، لم يدرسه النقاد، ولم تحتف به مدونة النقد الفلسطيني، ولم تعرف قصيده المناهج المدرسية، ولم يترجم إلى لغات أخرى بوصفه بقعة أرجوانية من أهم البقع الأرجوانية للشعر الفلسطيني، ولم تطبع له مختارات شعرية إلا في السنتين الآخرتين، وبمبادرة من اتحاد الكتاب الفلسطينيين وبتزكية من الشاعر مراد السوداني، ولم يقرأ شعره في الأندية، والمنصات الخاصة بالشعر، ولم يكتب له الحظ ليرى ترشيحا مرة أخرى، ولم يرتطم حظه أيضا بجائزة من التقدير، ولم يصل شعره إلى غزة، ولا إلى أهلنا في عكا وحيفا وأم الفحم وسخنين، رحل، ولم يصل شعره إلى أهله، مثله مثل فواز عيد، ويوسف سامي اليوسف.
عصام ترشحاني أصدر حوالي عشرين ديوانا محتشدة بشعر نايف، ندي، حار، وجسور، وحديث؛ شعر فيه رموز وإشارات ونقوش ووقائع وخيالوأسطرة عجائبية وغرائبية، وأشواق، وأحزان، وموت، وحياة، وأحلام ذات غور وامتداد؛ شعر فيه تاريخ للوعة والفقد، وشعر فيه جغرافية للنيران التي اشتعلت بالحال الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى هذه الساعة، وشعر فيه طفولة ست سنوات عاشها عصام ترشحاني في قرية ترشيحا، وهي طفولة مصاطب، ومطاردة للطيور، وبحث عن أعشاشها، وذهول لبيات السنونو في سقوف الدور، ودهشة لطقوس الحناء، وطرد الشياطين ، وهريسة القمح، وفستق العبيد، ورفوف القطا والحجل قرب الينابيع، وشعر فيه اكتمال القصيدة الحديثة التي تليق بزمن الفداء والصبر الفلسطينيين.
لم يعتمد عصام ترشحاني، في كتابة قصيدته على أي نبل سوى نبل الموهبة والثقافة والجمال كيما يبدو مثل فجر اكتملت نورانيته، فكتب شعره بروح فتى المخيم الحالم بمحو الانتظار الوجيع، والاقتراب أكثر من كينونة المعنى، لتصير المرآة والصورة أصلا واحدا لواقع واحد، ولبلاد أهلها واحدون.
عصام ترشحاني كتب الشعر في زمن كتابة نزار قباني، وعمر أبو ريشة، والجواهري، وصلاح عبد الصبور، وسعيد عقل، ومحمد الفيتوري، ومحمود درويش.. للشعر، وكان بينهم صاحب القصيدة البهارة في المعنى والمبنى والمغنى.
وعصام ترشحاني عاش حياته مغنيا لجميلة اسمها فلسطين، أوقدت عزائمه نهارا ليحظى بالشهادات والقراءات ومعرفة الرائع في الشعر، وساهرته ليلا ليغني لها، وهو يضفر جدائلها الذهبية، فلا يترك أحدهما الثاني إلا سطورا بارقات لمعانٍ بارقات على ورق مضيء.
وعصام ترشحاني، الذي رحل أخيرا، بعدما دق قلبه طويلا لتكريم ملهوم مثل حبة لوز، عجز عن الكلام طلاقة في ساعته الأخيرة من الحياة، ليقول جملته الأخيرة، لكنه قالها بأصابعه، حين أشار إلى خريطة فلسطين المعلقة قبالة فراشه، أشار إلى الخريطة وطلبها، فأخذها.. غمرا بين ذراعيه، ثم غطى بها رجفة شفتيه.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل