فان غوغ..!
تغريدة الصباح – حسن حميد

ها أنذا، أقع على وجهي وأنكمش، بعد أن رأيت هذه الجمهرة من أهلي في غزة، صغارا وكبارا، ونساء وأطفالا وشيوخا، وبعضهم يزاحم بعضهم الاخر، وهم ينتظرون ويرقبون ما يفور في هذه القدور الكبيرة المصطفة أمامهم، والتي يحاذي بعضها بعضا فوق وقيدة نار هائلة، وهم يسألون عما فيها لهذا اليوم، وأسمع التمتمات والرجاءات أن يجعل الله ما فيها رزا كثيرا أو برغلا كثيرا أو معكرونة حتى لو صارت عجينا، فنغص ثلاثة: أنا، وتاريخ هذه البلاد النايفة، والجغرافية الساحرة أيضا، لأن هذه الأرض، ومنذ بداية زهوة التاريخ كانت نهر الخير والخصب، واجتماع الناس البهيج في القرى والضفاف لأنها ما عرفت القحط يوما، ولا مشهدا مثل هذا المشهد لهذه الجمهرة التي لا تخلو من انحناء.
يميت القلب، لأن تمر العراق العزيز، وتمر المدينة المنورة كان يباع هنا، في غزة، ويعبر البحر إلى البلاد التي لم يعرف أهلها النخيل سوى في اللوحات التي أنجزها رسامو فرنسا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا حين جاءوا حجيجا إلى بلادنا العزيزة طالبين المغفرة من أقرب نقطة للسماء، ويوم كانت غزة بوابة القدس الكبيرة الوسيعة المرحبة بحجيج الدنيا كلها، وقد حملتهم البواخر أفواجا، وعلى مدار أيام السنة، ويوم كانت غزة كتابا كتبت صفحاته الأولى فوق ركب أهلها، فحفظها الناس وصايا، ونقشوها معاني خالدات في قلوبهم كي يكونوا من أهل الرضا، ومن حفاظ نعمة القيم.
هنا، وفي غزة العزيزة، جاء جد النبي العظيم محمد (ص) ليبيع تمر جزيرة العرب، وهنا عاش دهشة البلاد، وفرح أهلها، وهنا، قر في المكان فعاش رغد الحياة بالشكر والحمد.
وهنا، كانت غزة العزيزة، حارسة البحر وعارفته، فوصفته وكتبت طباعه وتقلباته في الكتب، وأوجدت للدنيا رزنامة أولى خاصة به، وبفصوله ودروبه، وما استبطنه، وبسلالمه وموانيه الموصلات إلى البلاد البعيدة البعيدة، هنا.. وضع أهل غزة العلامات الراشدة للطرق البحرية التي في طيها الأمن والسلامة، وهنا كتب أهل غزة كتبا عن أسرار البحر وثماره، ومنافعها التي لا تعد ولا تحصى، وهنا طور أهل غزة الاسطرلاب، وساعات الرمل، وأوجدوا البوصلة الأولى، وأعمدة قياس المسافات بين مدينة وأخرى، ورسموا خرائط البلدان بعد أن عرفوها معرفة يقين، وجالوا فيها جولان من أحب الأمكنة وعشقها بوصفها علامة العمران.
وهنا، في غزة، دافع الغزيون عن حضارة القدس ومكانتها عبر عصورها المتعددة، فكانت غزة هي خندق الدفاع الأول، وهنا في غزة، كانت أسواق الكتب والورق والحبر وسيعة مديدة سعة أسواق الأقوات، وكان الرسم ليس على الورق والقماش والخيش فقط، بل على النحاس والفضة والذهب ايات للجمال، وكل ذلك كان عبر مناددة وافية ضافية عاشتها البلاد الفلسطينية العزيزة مع ما قدمته حضارات ثلاث هي: سومر، والفراعنة، والشام، وما طورته هذه المنطقة حين نقلت العلوم من الوصف إلى الصورة، ونقلت الزراعة من الأحلام إلى واقع الحقول والبيادر، ونقلت السواقي الجاريات الى الأقنية المحمولة بالقناطر التي جعلت الصحارى واحات تتقفاها واحات.
هنا، في غزة، ارتطم رأس نابليون بونابرت (1769-1823) بقنطرة بيت غزي لأنه أراد دخوله راكبا على حصانه، ثم ارتطم رأسه مرة أخرى، في مدينة غزة، بسور صخري مهول أحاط بمنطقة شمالي غزة، سماها أهلها بالشجاعية، فبات في جبينه جرحان، وكان ثالثهما الارتطام الكبير في عكا، فكان إيابه الأخير.
الآن، وأنا أرى هذه الجمهرة الغزية بصغارها وكبارها واقفة ترقب ما يفور في هذه القدور التي تكاد تفر مثل الطيور من حماوة النار، وانكسار هذه العيون، واندلاق الرقاب، وضمور الأجساد، وفي أيديهم أرى صحونهم، وصوانيهم، ودلاءهم، وقدورهم الصغيرة، وطوسهم، وأكياس النايلون المتلوية في أيديهم لكأنها القلق، والتي يتأملون أن يعودوا بها ملأى ومنفوخة.. ليس من أجل الحياة، وإنما طلبا لرضا الأمهات، وسماع قولاتهم الذهبية المتعالية بالدعاء: ربي يسعدك!
هنا، في غزة، وأنا أرى هذه الجمهرة المنتظرة أمام قدور الطعام التي لا أدري كيف اغتنمتها الأيدي من أفواه الطائرات المغيرة، ولا كيف سلمت من حقد ذكاء القنابل الرجيمة، ولا كيف أوقد الأهالي تحتها النيران، وبأي شيء أوقدوها، وكيف استداموا هذه النيران ساعات حتى ينضج ما يفور به المرق، هنا، وأمام هذه الصورة، أتذكر لوحة الفنان الهولندي فان غوغ (1853-1890) التي عنونها بـ(آكلو البطاطا)، وما أحدثته من أثر، فاق أثر كتب كثيرة، ودعوات اصلاح كثيرة، ورجاءات مأمولة كثيرة، كي ينظر مالكو مناجم الفحم الحجري إلى حال من يستخرجونه بقفف الكاوتشوك من ظلمة عمياء، ليصير دفئا للأغنياء، آنذاك سخر فان غوغ الذي عرف الجوع وما يلفه من مذلة، من أن هذه الأسرة الصغيرة، وبعد التعب الجميل لمعيلها، لم تجد شيئا تأكله سوى البطاطا، فأي جزاء هذا؟
آه، يا فان غوغ، أهلنا في غزة الراكضون في دروب استعادة الحقوق، وطلب النجاة من مكان إلى آخر، بسبب حماقة الطائرات الإسرائيلية، ومنذ أشهر ستة.. مطرها رصاص، وبرقها خوف، ورعدها تهافت مشين لأهل القوة والحول والطول؛ أهلنا الان في غزة، أصحاب الأرض والحق والتعب والتضحيات، لا يجدون البطاطا، يا فان غوغ، البطاطا عندهم اليوم حلم من الأحلام الكبيرة بسبب ظلموت الاسرائيليين المستمر منذ 76 سنة، وأهلك، يا فان غوغ، يزودونهم يوميا بقطع غيار لقواتهم التي تقتل بطاقة خنزير بري!
أي عالم هذا، يا فان غوغ، وقد وعدتنا بأن يكون عادلا وجميلا، وجديرا.. بالحياة!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل