كنت في البصرة
ناصر عطاالله

لا الزمان حمل روحي بعيدا عن شاغلتي غزة، ولا نفسي عفتني من قلق كاد يفتك بي، ولكنني اجتهدت خارج سياق المعتاد الذي أعيشه منذ العدوان على قطاع غزة أن أكون حاضرا في مربد الشعراء قرب شط العرب، في دورتها الخامسة والثلاثين، دورة الشاعر أحمد مطر، وفي حومة النخيل العراقي السامق كان من المفترض أن أتحول إلى كائن مسرور، وفي حياض حاضنة التاريخ العريق، وصحن العراقة المؤبدة، في البصرة ما وجدته أمامي أقل بكثير من ما هو موجود، لأن زمني المصروف فيها أبخل من "بول جيتي" (أبخل رجل في العالم) لم تحملني الأوقات إلا نذرا على سندبة في صحراء متروكة للاستعارات الهامشية، ورغم ذلك عشت في البصرة ما عشت، أسمع الشعر، وأتموسق الكلمات، أطرب، أحزن، أبتهج، أنكمش، أقضي ويقضى عليّ في لحظة تجافي لم أتوقعها من بالغة التجاهل، وانعطافات الشعراء نحو الجماليات المدوية، والمبالغات المثيرة للإبداع، كان حقهم ولم يكن لي حق الاعتراض فأنا الذي أعاني من الحرب، والحصار، والقلق على الأهل، والعجز التام أمام مساعدتهم، وشق طريق نجاة لهم، هنا البلاغة في تصنيف العيش على أفضل متقنٍ يحبه المرء، وهناك لا عيش أصلاً لنضبط عليه إيقاع المحسنات، بين هنا في البصرة وهناك في خانيونس كان ارتباكي مجرى فوضاي، ومغبش التعامل مع الحاضرين.
فرصة البصرة لم تكن فرصة طائر يخطف قشة لبناء عشه، بل كانت فرصة الجمل إذا ما وقف على بحيرة فرات، يسقي ويخزن لعامه القادم، فرصة لو حضرتني قبل العدوان لكانت تحول كبير في حياتي الثقافية، وبما أنها جاءت بزمانها متلازمة العدوان في غزة فقد جاءت بتواضع شحيح وصخب صامت يقيدني كسجين وهن عظم روحه في مشاغلة الألم الفاحش.
ورغم ما عليّ من وطر الحزن، وأسفلت القلق، عشت أيام البصرة وكأنني لست أنا، قمعت كل ما يحرضني ضد الحياة، وأخذت بتدبر التوازن المسحوب مراغمة بين نفسي وبين عقلي، أكلت ثلاث وجبات في اليوم، واخترت أطايب الطعام، ونمت على أنظف سرير، واستحممت كلما بدأت أسراب التفكير تغبر مزاجي، وضحكت أيضا ولكن ما بعد كل ضحكة؛ محاكمات داخل قاعات نفسي تقام وتقوم بجلدي فأعتذر لأهلي المعذبين بخيامهم، وأرد بصاع اللوم عليّ، بصلاة تطهرني من كل فرح تنصب راياته في بيت عزاء.
تعرفت في البصرة على أجمل الشعراء العرب، وتشرفت بلقاء قامات الكتابة والنقد، وفحول القول، وكان لشعراء العراق قضيتهم التي هي قضية شعبي، وبعض الشعراء العرب لم ينجوا من مطبات تبني قضيتي، فأحسنوا الدفاع عن حق شعبي في الحياة، وعلى عموم المشاعر الجياشة والمؤيدة لفلسطين، كان الكل دون استثناء على خير المواقف، وأنبلها.
في البصرة عشت، ولأنها المرة الأولى في حياتي أكون في العراق زائرا ومشاركا في مهرجان المربد، تجاوزت خلالها نفسي المقهورة على عذابات أهلي، بلطيف التخفف من أوجاع ثقال، وتهذبت بتفهم ما يدور من حولي، وتعاليت على الرفض ومحاكمة سعادات الحاضرين، الذين انطلقوا في البصرة بكل ألق ودهشة، ومسراتهم تتزايد مع كل جديد يكتشفونه، أو وجوه مضاءة بالإبداع، تفهمت ابتساماتهم، وضحكاتهم، وحتى حركات أجسامهم التي كانت تدلل على إقبالهم الرياضي لكل معاني السعادة ولا أنكر أنني غبطتهم وتمنيت لو أن المربد كان سابقا على عدوان غزة، لكنت مثلهم وأكثر في سعادة تجيد صنعها البصرة بكل إتقانٍ وحرفية.
وما كنت ناكرا حسن الضيافة ولا كرم الاستقبال من أهل العراق العريق، حتى أكدت على ميثاق الود الجامع لشعبينا، ورفعت قبعة المحبة للرافدين كل إشراقة شمس، وتدويرة نجم نحو شط العرب وهو كذلك شط لكل العرب، فشكرا رياض الخير ما أبقت سيابها والحسن البصري رائدها، وأحمد مطرها النقي، وكل عرق مجيد أضاء للحياة شمعة في ظلماتها لتنير الوجود بوعي المبصرين، عنوانها و ملهمها، حيث كنهها خلود الود لكل عاشق مريد.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل