عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 شباط 2024

هند.. بنت غزة

عبير البرغوثي


هل تجمد الزمن أمام عينيها وهي ترقب لحظة بلحظة قساوة الظلم وهو يفتك بخلايا أعز البشر عليها، وكيف بقيت تنظر لأجساد الأعزاء تتحلل أمام عيون طفلة ليس لها ذنب إلا أنها من مواليد غزة وسكانها، تتجمد الدموع في العيون، وتسقط الكلمات دون وعي لخبر وفاة عزيز حتى وإن كانت المسافات بعيدة، تهتز كيانات البشر ويكاد قلب الإنسانية يخرج إذا ما شهدت وفاة طفل، فما بال إنسانية اليوم تشهد كل هذا أمام العدسات والكاميرات ولا تخر من هول ما تراه؟!
صورة هند شاهدة على فظاعة قصف يودي بحياة أسرتها دون رحمة، وشهيدة يعاد قتلها على مدار أيام وأيام تحت حصار وصوت الدبابات دون رحمة، هو شاهد وشهادة على أن الأطفال والأبرياء هم من يدفعون الثمن وهم وقود المجزرة المستمرة على صدر القطاع.
كم طفلا بريئا وكم حياة بريئة ما زالت مطلوبة لتتوقف آلة القتل والدمار؟! وكم مستقبلا وحلما يجب تدميرهما حتى تشبع آلة القتل نهمها وتتوقف عن حصد أرواح تحتمي بأب مسكين وأم وصلت صيحات استغاثتها عنان السماء، ولم تصلها سوى أنياب المجنزرات على مدى أسبوعين من الرعب والخوف من موت يفتك بتلك الأجساد قطعة قطعة، قد تكون اثني عشر يوما، ولكنها أمام أعين هند كانت اثني عشر دهرا، اثنا عشر يوما هي ضعفان من حرب حزيران المشؤومة، لم تتحملها دول وواجهت الهزيمة وبتنا على ما نحن عليه الآن، في حين أسلمت هند وأسرتها أرواحهم منتصرين إلى رب السماوات والأرض في يوم سقط أمام أعينها الموت وارتفعت صورة الشهادة لتنضم إلى آلاف من الأرواح البريئة التي تطوف سماء فلسطين منذ عقود.
قبل أيام كانت محكمة العدل العليا تكتب قراراتها بإلزام سلطات الاحتلال باتخاذ إجراءات حماية الإنسان خلال قصفها وعملياتها العسكرية، وبغض النظر عن مدى قوة هكذا دعوة ومدى كفايتها لحماية الأبرياء والمدنيين في الحروب، إلا أنها لم تكن كافية لتقديم نافذة يمر من خلالها مسعف لإنقاذ حياة طفلة ترى الموت أمام عينيها، لم تكن كل تلك القرارات كافية لمنع بقاء صورة الموت عالقة في أعين البراءة، ولكن ذهبت صورة الظلم ووثائق القتل كاملة مع آخر أنفاس هند لبارئها في يوم سقطت فيه أخلاقيات نظام دولي وسقطت فيه مهنية مؤسسات دولية بعد أن أطلقت العنان للقتل دون رحمة ودون حصانة للأبرياء. 
ضاقت الأرض ولم يبق لأطفال غزة سوى الارتقاء نحو السماء، سقطت القوانين التي تحمي الأبرياء ولم يبق سوى جنازير الدبابات تفتك بأطراف صغيرة كاد يفتك بها الجوع قبل هدير الدبابات، هذه حكاية آلاف الاطفال في بيوت غزة التي  كانت لا تتسع أصلا  لسكانها، فما بالكم بما تبقى الأونروا من بيوت لا تكاد تصل لربع ما كانت عليه قبل أسابيع؟ لم يعد البيت آمنا ولا المسكن صالحا ولم تعد الأسرة قادرة على توفير الحماية لأبنائها، ولم يبق لأطفال غزة ملجأ إلا الله في الأعالي.