عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 شباط 2024

استراتيجية التخويف .. سلاح نتنياهو

د. خالد جاسر سليم

خلال العقدين الماضيين، أظهرت السياسة الإسرائيلية التي هندسها نتنياهو للبقاء في الحكم، بأن إدارة البقاء السياسي، ترتكز على تكييف الاستجابة السياسية للمجتمع وصناعة الرأي العام، في ملحق "هآرتس" الأسبوعي، تبرز مقابلة مع البروفيسور أوريئال أبولوف الذي يكشف النقاب عن ديناميكيات سياسة التخويف في إسرائيل، مع التركيز على شخصية بنيامين نتنياهو كمثال رئيسي. يذكر بأن هذه المقابلة التي أجرتها الصحفية اييلت شاني كانت قد نشرت في الملحق الأسبوعي للجريدة (19/1/2024). وعليه تهدف هذه القراءة في المقابلة إلى إلقاء الضوء على التحليل النفسي والسياسي لإستراتيجية التخويف وكيفية استخدامها كأداة للسيطرة.
تتحدث المقابلة عن نتنياهو كشخصية تعيش في عالم من الترهيب والندم والأشكلة، وتصفه بأنه "إنسان جبان يحب التخويف". من هنا، يبين البروفيسور أبولوف كيف يستخدم نتنياهو سياسة الترهيب لتعزيز موقفه السياسي واستدامة تأثيره على الجماهير، من خلال توظيف التخويف والتهديد، من ثم، ينجح نتنياهو في تصوير نفسه كمنقذ، مستغلاً هذا لتعزيز سلطته ومكانته.
تتناول المقابلة كيف يستخدم نتنياهو الخوف ليس فقط كأداة للسيطرة، ولكن أيضاً كوسيلة لإظهار نفسه كقائد مطمئن ومهدئ للشارع، تُظهر التحليلات كيف يتفاعل الشارع أيضاً مع هذا الأسلوب من القيادة، حيث يُعتبر الخوف أداة قوية للتأثير والسيطرة.
ومن أهم مساحات استخدام نتنياهو للتهديدات الأمنية والترهيب، مساحة الصراع مع الفلسطينيين لتعزيز صورته كحام ومنقذ للأمن الإسرائيلي، فتصوير هذه التهديدات على أنها وشيكة ومصيرية، يعزز حاجة الشارع لقيادة قوية تحميهم. 
وفي حملاته الانتخابية، غالبا ما يُبرز نتنياهو نفسه المنقذ الوحيد القادر على مواجهه التهديدات. فعلى سبيل المثال، في الحملة الانتخابية في العام 2015، استخدم نتنياهو إعلانات تصوره كـ"بيبي سيتر" الوحيد القادر على حماية الإسرائيليين، مستغلا ما عززه لديهم من مخاوف من التهديدات الخارجية. 
فضل عن ذلك، استغل نتنياهو خلال جائحة كورونا الرهاب العام من الجائحة ليظهر كقائد قومي حاسم ومُطمئن، ففي الوقت الذي كان فيه العديد من القادة في العالم يكافحون لإيجاد توازن في تعاملهم مع الجائحة، استخدم نتنياهو الظرف كفرصة لتعزيز صورته كقائد متمكن وقادر في حمايه الإسرائيليين. 
وعلى ذات المسار، عمد نتنياهو لاستغلال وتوظيف لأحداث السابع من أكتوبر لتعزيز إستراتيجيته السياسية المرتكزة على التخويف. ففي هذا السياق، حاول نتنياهو تصوير الفلسطيني كإرهابي، عبر استحضار الصورة الذهنية لداعش، في محاولة لنزع الشرعية عن المقاومة بشكل كامل، وتعزيز الصورة الذهنية لدى الإسرائيليين بأنهم محاطون بأعداء خطيرين ومتربصين، وبالتالي تصبح الحاجة إلى قيادة قوية ومستقرة وحازمة، ما يجعل من وجوده وبقائه في موقعه حاجة قومية إسرائيلية. 
من الأهمية تبيان الانعكاس المزدوج لمثل سياسة التخويف التي اتبعها نتنياهو، فمن ناحية تمكن من تعزيز قاعدته السياسية والحفاظ على السلطة من خلال تصوير نفسه كحام ومنقذ، ومن ناحية أخرى، عززت هذه الإستراتيجية حالة من القلق وعدم الاستقرار في المجتمع برمته، ما أدى إلى تزايد البحث على القيادة القوية، وجعل نقاش مستقبل إسرائيل بعد "الملك غير المتوج"، نقاشا مقلقا.
يُظهر النقاش في المقابلة كيف أن سياسة التخويف يمكن أن تكون إستراتيجية فعّالة للسيطرة والحفاظ على السلطة، خاصة في سياق معقد مثل السياق الإسرائيلي، فنتنياهو، كما يُصور في المقابلة، يستخدم هذه الإستراتيجية بمهارة، ما يُحفز النقاش حول الأخلاقيات والآثار النفسية لمثل هذه التكتيكات في السياسة، فمن جهة تُبرز المقابلة الحاجة لتقييم وفهم أعمق للعلاقة بين السياسة ومشاعر أفراد المجتمع، ومن جهة أخرى كيف يمكن للخوف أن يلعب دوراً محورياً في تشكيل الأيديولوجيات والسياسات والرأي العام.
وخلال الأيام الماضية، عزز نتنياهو في أكثر من مقابلة صحفية هذا التوجه القائم على تخويف المجتمع الإسرائيلي من تكرار ما حدث في السابع من أكتوبر، بالتخوين لكل من يخالفه سياسياً، مستهدفاً خصومه الانتخابيين، وهذا الخطاب ذاته الذي قاد لخلق انقسام في المجتمع الإسرائيلي خلال ما سمي الانقلاب القضائي.