عاجل

الرئيسية » كلمة الحياة الجديدة »
تاريخ النشر: 28 كانون الثاني 2024

بين روايتين..

كلمة الحياة الجديدة

أصدر المكتب الإعلامي لحركة حماس، تقريرا تعبويا مطولا، تحت عنوان " هذه روايتنا. لماذا طوفان الأقصى" يتحدث فيه عن غايات، وأهداف هذا الطوفان الأساسية، والمسببات التي دفعت إلى تحقيقه ..!! 

وأول ما يلفت الانتباه في هذه "الرواية" أنها صيغت بلغة لا تعرفها أدبيات وخطابات وشعارات حركة حماس، لغة براغماتية على نحو ما، وسياسية خالفت بوضوح شديد خطاب تفاصيل التحرير الكامل لفلسطين في مؤتمر "وعد الآخرة" للقيادي الحمساوي كنعان عبيد، الذي شوهد قبل أيام  بين جموع النازحين  من خان يونس  نحو رفح ...!! 

والأمر الثاني اللافت للانتباه في رواية حماس هذه، محاولتها أن تكون سردية تاريخية لبدايات الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، وسيرته، ولكن دون الإشارة لسوى ما ارتكب الاحتلال الإسرائيلي من مجازر واستيطان، وما يواصله من سياسات القهر والظلم ضد شعبنا الفلسطيني، وما ثمة إشارة واحدة، لنضالات الشعب الفلسطيني، وثوراته المتعاقبة، منذ وعد بلفور المشؤوم، وحتى اللحظة التي سبقت طوفان الأقصى (...!!)  ما ثمة إشارة واحدة لنضالات حركة التحرر الوطني الفلسطينية وما أنجزت وما حققت في كل هذا السياق، وبأيحاء أن النضال الوطني الفلسطيني قد بدأ  من عندها، وبوصفها حركة تحرر وطني (...!!)  وهذا ما لا يرد أبدا، ولا بأي كلمة من الكلمات، في أدبيات حركة حماس ونظامها الأساس ...!! 

وفي هذه الرواية الحمساوية ثمة اعتراف ملتبس بواقعية وأهمية اتفاق أوسلو، بكونه اتفاقا كان سيؤدي لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يعني أن اتفاق أوسلو لم يكن اتفاق التنسيق الأمني، مثلما ظلت حماس تهاجمه طوال سبعة عشر عاما، وفي هذه الرواية وبصدد هذا الاتفاق، لا تقول حماس إن إسرائيل دمرت هذا الاتفاق، بل بمواربة مكشوفة، تقول إن إسرائيل دمرت إمكانية قيام دولة فلسطينية ...!! والواقع أن إسرائيل لم تكن وحدها من دمر اتفاق أوسلو، وتعرف حماس ذلك جيدا وتماما بما حققت من فعل ميداني، وسلوك عصبوي وخلاف سياسي، وانقسام  حاد في الساحة الفلسطينية ...!! 

لم يكن هناك ثمة نضال وطني طوال خمسة وسبعين عاما من الاحتلال، بل سياسات هذا الاحتلال العنيفة والدموية، سياسات القمع والظلم والحصار، ولهذا ما الذي كان على الشعب الفلسطيني أن يفعل..؟؟ هذا هو سؤال الرواية الحمساوية، والجواب كان لا بد من "طوفان الأقصى" ...!! وبهذه الصيغة تطرح حماس نفسها ممثلا للشعب الفلسطيني، ومتحدثا باسمه، وصاحبة قرار السلم والحرب(...!!) وكأنه ما من أحد في ساحة النضال الوطني الفلسطيني سواها...!! في الوقت الذي تسلب فيه منظمة التحرير الفلسطينية، ما أنجزت على صعيد انضمامها للمنظمات والاتفاقيات الدولية، ومنها محكمة الجنايات الدولية فلا تقول إن منظمة التحرير الفلسطينية كانت وراء هذا الانضمام، بل هي فلسطين، وحتى دون القول دولة فلسطين..!!

"طوفان الأقصى" حسب الرواية الحمساوية هذه "كان خطوة ضرورية، واستجابة طبيعية لمواجهة ما يحاك من مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية لاستعادة الحقوق، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس"  أليس هذا هو برنامج المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، الذي كا يسير بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافه العادلة والمشروعة كافة بلا أية تكاليف دموية..؟؟ 

كان لا بد للخطوة الضرورية من قرار وطني موحد، ولو كان هناك هذا القرار لما بتنا منذ ثلاثة شهور وحتى اللحظة نودع مع كل صبيحة، مئات الشهداء من أبناء شعبنا، مئات من الأطفال، والنساء، والرجال، والفتيان، والشباب، حتى باتوا اليوم أكثر من خمسة وعشرين ألفا، ومثلهم تقريبا جرحى، وأكثر منهم نازحون باتوا في خيام لا تقي برد الشتاء وامطاره، ومعظمهم بات على حافة المجاعة...!!! هذه هي رواية الواقع، ونكرانها لا يبدل حالا، ولا يحقق مخرجا من هذه الحرب الظالمة. 

رئيس التحرير