عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تشرين الثاني 2023

الأسباب الحقيقية لنهاية نتنياهو السياسية

باسم برهوم

هناك شبه إجماع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قد انتهى سياسيا، وأنه بعد الحرب، وربما خلالها إن طالت، قد يقال، ولكن من المؤكد بعد الحرب أنه سيذهب إلى مزبلة التاريخ، أو يقضي ما تبقى من عمره من  سنوات داخل السجن بتهم الفساد. وفي نظر الإسرائيليين وحليفتهم الولايات المتحدة الأميركية، فإن نتنياهو هو المسؤول عن وصول الجميع إلى هذه الحرب المدمرة، وعن هذه الثغرة الإستراتيجية التي قادت إلى كل ما يحدث، والتي كانت ستقود إلى حرب إقليمية واسعة، وهو احتمال لا يزال قائما.

قليلون ربما يدركون أن ما جرى في السابع من أكتوبر الماضي هو انتهاك كبير للخط الأحمر الأخطر في منطقة الشرق الأوسط، وأن الوصول إلى لحظة هذا الانتهاك،  الذي تبعته كل التداعيات المأساوية التي نعيشها اليوم، يتحمل مسؤوليتها نتنياهو والإستراتيجية التي اتبعها منذ أكثر من عقدين من الزمن، وأنه وبشكل مباشر مسؤول عن الإخفاق الأمني والعسكري والسياسي الذي حدث في ذلك الصباح لأنه باختصار رأس الهرم السياسي في إسرائيل.

ويمكن ترتيب الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذا الإخفاق وتداعياته الخطيرة، والتي أجبرت واشنطن للحشد العسكري الضخم والتدخل المباشر في الحرب كما يلي:

أولا: إن نتنياهو يتحمل المسؤولية المباشرة لتدمير عملية السلام، وإفراغ اتفاقيات أوسلو من أي مضمون، بل إنه هو وحلفاؤه الأكثر يمينية هم عمليا المسؤولون عن اغتيال إسحاق رابين ومن ثم الانقضاض على أوسلو وكل فرص السلام مع الشعب الفلسطيني.

ثانيا: نتنياهو مسؤول عن تدمير وتصفية حل الدولتين من خلال تعزيز الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس وحتى عن قرار الرئيس الاميركي السابق ترامب باعتبار المدينة بشقيها الغربي والشرقي عاصمة "للشعب اليهودي"

ثالثا: هو المسؤول عن الإستراتيجية، التي ثبت فشلها في السابع من أكتوبر، وهي الإستراتيجية التي تقضي بتقوية حماس وإضعاف السلطة بهدف منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، بمعنى المحافظة على الانقسام الفلسطيني وتعميقه، وهي الإستراتيجية التي كان يتم عبرها إدخال الأموال القطرية لحماس، وتسمين هذه الأخيرة ماليا وسلطويا كي يتواصل الانقسام. الولايات

 

المتحدة ترى أن كل ما يجري اليوم هو بسبب سياسة نتنياهو هذه، وأن هذا الأخير سيدفع ثمن خطأه الإستراتيجي.

ربعا: محاولات نتنياهو في القفز عن القضية الفلسطينية والذهاب لاتفاقيات التطبيع مع الدول العربية، والإمعان في هذا القفز والتجاهل عبر مقولة إن لا حاجة أبدا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في سياق خلق شرق أوسط جديد.

خامسا: يتحمل نتنياهو مسؤولية الانقسام السياسي العميق الذي شهدته إسرائيل وما زالت، وإن سياساته اليمينية المتطرفة هي المسؤولة عن إضعاف إسرائيل وشجعت حماس على القيام بما قامت، لطالما كانت واشنطن تحذر نتنياهو من مخاطر هذه السياسة، إلى درجة أن الرئيس الأميركي بايدن كان يرفض استقباله في البيت الأبيض.

سادسا: قيام نتنياهو بعملية طويلة الأمد لتغيير هوية إسرائيل التي حددها "إعلان الاستقلال" الذي صدر العام 1948، والذي ينص على أن إسرائيل دولة يهودية وديموقراطية، وأن نتنياهو عمل لتصبح "دولة يهودية أصولية غير ديموقراطية". ولم يغير نتنياهو الهوية بل قام بتغيير تركيبة المجتمع الإسرائيلي الاجتماعية- الاقتصادية، ونزعه للروح الاشتراكية التضامنية والتعاونية في المجتمع،  التي وضعها وثبتها الآباء المؤسسون لإسرائيل واليسار الصهيوني، وقيامه بتعميم الرأسمالية الليبرالية المتوحشة.

سابعا: نتنياهو لم يكن فاسدا هو كشخص وحسب، بل إنه ساهم في تعميم الفساد وجعله أمرا مقبولا في النظام السياسي الإسرائيلي، عبر تهربه هو شخصيا من المحاكم، وعبر التشريعات التي تعمم الفساد كالقانون الفرنسي وقانون درعي كل هذه الأسباب تنفجر اليوم في وجه نتنياهو، والتي كانت واشنطن تراها وتلمسها، وهي اليوم مع إسرائيل تدفع ثمن خوض حرب كانت في غنى عنها، حرب من الممكن أن تهدد مصالحها وهي تظهر انحيازها الكامل والشامل لإسرائيل. الولايات المتحدة كانت آخر من تريده أن توصلها إسرائيل ونتنياهو تحديدا إلى هذه اللحظة بسبب الإخفاق الكبير وما أوصل إسرائيل إليه من أسباب متراكمة يتحمل مسؤوليتها نتنياهو شخصيا.

الأهم في هذا التطور إن اكتملت فصوله هو أن نصل إلى لحظة لا ينتهي فيها نتنياهو وحده بل هو واليمين الفاشي كله في إسرائيل، لربما بعد ذلك يمكن أن نرى نورا في آخر النفق المظلم.