أين هو التطبيع؟
حنان باكير
حوار دار بيني وبين صديقة عربية مناضلة لم ألتقها منذ سنوات. قالت لي: لقد فوجئت ودهشت من بعض مواقفك، بعد ان شاهدت لك مقابلة، تنظرين فيها لزيارة فلسطين المحتلة، انها دعوة صريحة للتطبيع مع مغتصب وطنك، بعد أن تخليتم عن النضال، الذي جمعنا بكم، على درب التحرير! صمتُ وكأن لساني نسي وظيفته، ثم أجبتها، بل أنا فجعت وصدمت من موقفك هذا، وأنت العقائدية! فأنا كفلسطينية، لا استعمل كلمة "زيارة" أقول عدت، أو سافرت الى فلسطين، ولو كانت عودة قصيرة ومؤقتة. تلخص رأيها، بأن فلسطينيي الداخل "إنسي" فمعظمهم إن لم يتأسرل، فقد تطبع مع النظام الجديد. أعطت بعض الأمثلة، مما يدخل في باب "الشاذ عن القاعدة". وان السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، هي سلطة عميلة، وفي قطاع غزة لا يقلون عمالة، وان باسم الجهاد!
انفجرت بضحكة هستيرية وأجبتها: معك كل الحق يا صديقتي العزيزة، لعننا الله من شعب متخاذل! كيف نرى أمة العُرب، قد حشدت جيوشها على حدود دول الطوق، فتصدى لها الفلسطينيون، دفاعا عن الكيان المغتصب. ورفضوا استلام السلاح الذي جُمع لهم من ايام القائد فوزي القاوقجي.
صديقتي لا تتساءل كيف حافظ الفلسطيني على هويته ولغته وثقافته، وأسس حركة ثقافية وأدبية وصلت الى المجال العالمي، محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، راشد حسين واميل حبيبي، واللائحة تطول. صديقتي وكثر مثلها، لم يسمعوا بالأنشطة التي تقوم بها الجمعيات والمؤسسات، بإعادة بناء قراها ومدنها المدمرة، بالذهاب اليها واقامة الخيم واحياء الدبكات والرقصات الشعبية. لم تسمع بأم احمد العكاوية، التي احبطت الفزعات التي جاءت من كل البلاد، لمنع تجريف بيتها العتيق في عكا القديمة، ولم تسمع بخيمة أم كامل المقدسية، التي صارت وطنا يتسع لأبنائه! وكثر ينسون أو يتناسون، يوم عمادة الارض بالدم النقي، فكان يوم الأرض.
في الضفة الغربية، تتناسخ الجنازات بشكل يومي. قرابين مقدسة تقدم على مذبح الحرية وحب الأرض. همّ الأم ان يعود اطفالها من المدرسة على اقدامهم بسلام، لا محمولين ومضمخين باللون الاحمر. الشباب تتوزعهم المقابر وأقبية التعذيب، المطلق سراحهم لا ينعمون الا بأوقات قليلة من الحرية، فقط لوداع احبائهم. وفي غزة.. لا تمطر السماء الا الجحيم والبراكين، وقد حولت الى حقل تجارب لأشد وأحدث الأسلحة فتكا.
هذا ما لخصته لصديقتي، وأضفت.. بالقطيعة نساهم في حصار شعبنا، ونكون في خندق واحد مع المغتصب. ذهبت ذات مرة الى وطني، على متن خطوط ألمانية. أقمت برفقة أصدقائي النرويجيين، في القدس في فندق يملكه فلسطيني. أكلنا في مطاعم فلسطينية، تناولت خبزي مثل قربانة مقدسة، استأجرنا سيارة من فلسطينيين. اشترينا التذكارات من محلات فلسطينية. فأسهمنا بجزء متواضع من اقتصاده، وأسست لذاكرة حسية، ولم تعد فلسطين، فقط ارض الحكايات، أو ظلا لوطن الغياب. انها وطن حيّ.. يبقى الأهم في تلك العودة القصيرة، هو لقائي بالناس، والفرح المتبادل بيننا، لم أشعر بغربة. في الدهيشة، مع الكاتب اسامة العيسة، في عكا، كانت حفاوة صديقتي الفنانة، سامية بكري. الحفلة والاحتفاء في بيت صديقتي الحاجة منيرة، كانت اسطورية، دعت اليها العديد من العكيين. زيارة مؤسسة الاسوار الثقافية عند أحبائي يعقوب وحنان حجازي، ملأتنا بإصرار على اهمية الدور الثقافي في نضالنا. لم يصدق مرافقي من النرويجيين، أنني لم اعرف مسبقا، احدا ممن قابلتهم!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل