عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 16 كانون الثاني 2016

أوباما وريجان.. مقارنة خاطئة

راميش بونورو *

في الفترة التي سبقت وصوله إلى المكتب البيضاوي، كان أوباما كثير الشبه بالرئيس الأسبق رونالد ريجان الذي وصل البيت الأبيض لولايتين متتاليتين بين عام 1981 و1989. وكان مؤيدو أوباما من ذوي الميول التقدمية يأملون منه أن "يحرف محاور سياساته إلى اليسار" بقدر ما "حرفها سلفه الأسبق رونالد ريجان نحو اليمين". وأوحى خطابه الأخير حول وضع الاتحاد، والذي ألقاه في جلسة مشتركة للكونجرس الثلاثاء الماضي، بأن عملية التحول هذه ظلت ناقصة الأركان وغير مكتملة الجوانب والعناصر، بخلاف ما كان يريده ويتمناه.

وأما فيما يتعلق بما يتداوله المحللون والمعلقون من أن يكون أوباما قد حرف اتجاه السياسة العامة للولايات المتحدة برمتها باتجاهه هو، وليس بأي اتجاه آخر، وبحيث تكرس رؤاه وتطلعاته الشخصية البحتة، فهذا أمر لا يمكن إنكاره أو غض الطرف عنه أبدا. ولقد استأثر "الائتلاف الليبرالي" في عهده، بمساحة أوسع على الحلبة السياسية المحلية، وأصبح حزبه "الديمقراطي" أمضى عزيمة وأقوى شكيمة مما كان عليه من قبل. ويقف خطابه المذكور دليلا واضحا على ذلك.

ولفت خطابه الانتباه إلى أمور مهمة أخرى. ونحن نستعيد الآن خطابه الأول الذي ألقاه أمام الكونغرس عشية انتخابه رئيسا في ولايته الأولى عام 2009، عندما ركز حديثه على ضرورة تقديم الوعود بمواجهة "التكاليف المتزايدة" لتحقيق الأمن الاجتماعي. ومنذ إطلاق ذلك الوعد، بقيت تلك التكاليف في حالة ارتفاع متواصل. والآن، وفي عام 2016، وهو عامه الأخير في البيت الأبيض، قال إنه عازم على "تعزيز" برنامج الأمن الاجتماعي بدلا من "إضعافه"، تجاوبا مع المواقف المتكررة لأقرانه "الديمقراطيين المحدثين" الذين تعهدوا بتوسيع الأطر والأسس التي يقوم عليها ذلك البرنامج.

وعلينا أن ننتبه أيضا إلى أن "ريجان" تمكن من ترك بصماته على السياسات الأميركية لعهود لاحقة طويلة، ليس على مستوى الإدارة الرئاسية فحسب، ولا بسبب إنجازاته في مجال الرفع من شأن حزبه "الجمهوري"، ولا نجاحه في إدارة السياسة العامة، بل لأنه تمكن أيضا من اجتذاب الحزب المعارض (الديمقراطي) ليصبح أكثر تقربا منه. وحتى يتمكن من سبغ إنجازه هذا بعنصر الاستدامة، كان من المفترض أن يستخلف برئيس جديد حليف له ومؤيد لسياسته. إلا أن ما حدث هو خلاف ذلك، فلقد استخلفه الرئيس "الجمهوري" جورج بوش الأب الذي لم يكن مولعا بهذا التآلف الذي أنشأه سلفه مع الحزب المعارض. وهو الذي لم يكن يشعر للحظة واحدة أن "الحزب الديمقراطي" يمكنه أن يكون حليفا له. ونذكر هنا أن "بوش الأب" نافس "ريجان" في الانتخابات التمهيدية الرئاسية لعام 1980، وأظهر في ذلك الوقت ميلا أكثر نحو الاعتدال داخل حزبه. ولم يكن تصريحه المتكرر بتأييد "المذهب الريغاني" Reaganism إلا وسيلة لدعم ترشيحه للانتخابات الرئاسية التي فاز بها على منافسه عن الحزب الديمقراطي "مايكل دوكاكيس".

ويبدو أن هذه العلاقة بين "بوش الأب" وسلفه "ريجان" تجد شبيها لها في شخصيتي "هيلاري كلينتون" و"باراك أوباما". وخاصة لأنها لم تكن مقتنعة بفكرة "الائتلاف الليبرالي". وهذا ما أكدته استطلاعات الرأي الأولية في أوساط "الديمقراطيين". وهي التي بدأت مشوارها السياسي قبل سطوع نجم أوباما، عندما شعر "الديمقراطيون" بالغضب إزاء المواقف الاستعدائية لمنافسيهم "الجمهوريين المحافظين"، والتي كانت في ذلك الوقت أشد وطأة مما هي عليه الآن. وإذا كتب لها الفوز في المعركة الانتخابية الرئاسية، فإن من المرجح أن تضع حدا لنتائج انتصاراته السياسية. وفي هذه الحالة، من المرجح أيضا، أن يعود "الحزب الجمهوري" إلى التصالح مع تلك السياسات والدفاع عنها من أجل معاكسة توجهات "الديمقراطيين" مهما كانت طبيعتها.

وهناك اختلاف آخر بين نتائج الأداء السياسي لكل من ريجان وأوباما. فلقد كان الرأي العام الأميركي ينظر إلى "ريجان" باعتباره يمثل تجسيدا حقيقيا للنجاح في إدارة شؤون البيت الأبيض، وليس لدى الفئة الضيقة التي تشاركه أفكاره ورؤاه فحسب. وأما أوباما، فلا يمكنه أن يرسم في عقولنا مثل هذه الصورة، وخاصة وفقا لما لاحظناه في خطاب حالة "الاتحاد" الذي جاءت أطروحاته معاكسة لتطلعات الرأي العام. وصحيح أنه حقق نتائج طيبة في مجال الاقتصاد حتى ولو بقيت بعض مؤشرات الخوف من الركود، إلا أن الحكومة تحملت مسؤوليات أكبر لرعاية مواطنيها. وتحظى أميركا الآن بالاحترام أكثر من أي وقت مضى، وتعمل الإدارة الأميركية على تطبيق استراتيجية متكاملة للتصدي للإرهاب.

هذا على الأقل ما جاء في نص خطاب حالة الاتحاد، وأما ما يراه الرأي العام فهو أن هذا الطرح ليس أكثر من مجرد خيال لا يتطابق مع الحقيقة.

----------

محلل سياسي أميركي

عن "واشنطن بوست"