عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 آب 2023

ذكراه في كل وقت..

شاهد عيان- محمود أبو الهيجاء

الأربعاء الماضي كان شاعر فلسطين والعرب الكبير محمود درويش في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله الجسدي. أقامت إدارة متحفه أمسية غنّت حضوره، ووضعت أكاليل الورد على ضريحه، ولأن ذكراه في كل وقت، رأيت ألا أكتب ما أريد أن أكتب في هذه الذكرى عن الشاعر وقصيدته، عن معناه ومكانته، في يومها المحدد بالتاريخ، ولأني أرى للغياب حضرة، لطالما تظل هي الحضرة الأثيرة، يطل الغائب فيها بكامل هندامه الشعري، وهو يردد ما أكد من حقيقة مثيولوجية في قصيدته "هزمتك يا موت الفنون جميعها"، وعلى هذا لا أراه رحيلا للشاعر، حتى في حادثة التراب، فها هو شاخص في حضوره، أمثولة، وأيقونة، وتاريخا، وسيرة، وقمرا ما زال يتحرش بالساهرات، ما زال باسمه محمودا في قصيدته، وما زال يقول لنا ما قاله لنا في سؤاله الباحث عن معنى وجوده، وقيمة هذا الوجود.

ليس للقصيدة، قصيدته مكان، بل مكانة، ولا بيوت بأبواب لنطرقها من أجل أن ندخل إليها، إنها "دم الصب بين الحشا والترائب" وليس لها جغرافيا، حتى وهي تغني جغرافيا السحر الإلهي، وتردد "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، حيث سيدة الأرض فلسطين. وها نحن بعد خمسة عشر عاما على حادثة التراب التي ألزمته ضريحا على تلة في "رام الله" ندرك مجددا أن لقصيدته كذلك باحة البراري بغزالاتها الواردات لنبع ماء الحياة الذي يسقي عروق اليفاعة والخضرة اليانعة.

لم يُكَنَّ محمود درويش، لأنه كان الكنية بحد ذاتها، وإذا جاز لي أن أكنيه هنا فأقول إنه أبو الغيم الذي جعله سربا من الكائنات، ولأن قصيدته تظل غيمة ماطرة.

ولا كناية عن محمود، ولا مجاز، وهو الذي نثر الشعر، وأشعر النثر، وفي أرض روحه الخضراء نبتت زهرة الصوت مقاما، وأغنية، ونشيد.

ما من زمن في رحيله قد جرى، فما زال هو اللحظة، والدفق، وما زالت قصيدته كمثل عاشقة لا تكف عن غناء الصبوات القصية، وفلك المحيا مشرقا بابتسامتها الشقية. محمود درويش أنت من هنا، وأنت من هناك، تظل معنا، ونظل معك.