أميركا في مؤخرة الركب
هادي جلو مرعي*

يرى المفكر والصحفي الأميركي المخضرم سيمور هيرش أن الولايات المتحدة أصبحت في مؤخرة الركب، وأن العالم الذي يمضي قدما لم يعد يفكر فيها، فالتطورات الأخيرة بما فيها الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، وتداعيات الانتخابات الرئاسية، واقتحام الكونغرس، والإصرار على مواصلة الحروب بالوكالة، والتعاون مع تايوان على حساب الرغبة الصينية في تايوان واحدة، وعدم مبالاة إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي، ورفض وزير الدفاع الصيني لقاء نظيره الأميركي، والتذمر الأوروبي من سياسات واشنطن، وقيام المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بانعطافات سياسية غير مسبوقة، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، وتطور العلاقات بين المجموعة العربية والصين.. هذه التطورات تشير إلى تشكل عالم مختلف لا يتوقف على نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية كما يظن البعض، بل على جملة تطورات كبرى يشهدها العالم، وما تعانيه الولايات المتحدة من مشاكل داخلية، وهي عوامل سيدفع ثمن تداعياتها الغرب، وفي المقدمة منه الولايات المتحدة الأميركية.
ما تأثير تلك التحولات والتداعيات على العالم العربي والقضية الفلسطينية التي يتعطل حلها بسبب الدعم غير المحدود للكيان الإسرائيلي عبر حزم مساعدات عسكرية ومالية، وتسهيلات اقتصادية، وتغاضٍ عن سلوكيات إجرامية، واقتحامات للأماكن المقدسة، وسياسات استيطانية، واقتلاع للأشجار وهدم للبيوت، وتضييق على المعابر، وحصار مالي وكهربائي ومعاشي وصحي على شعبنا الصابر في كل فلسطين الذي يواجه ليس الكيان المحتل، بل تحالفا كونيا ظالما متواطئا مع المحتل، وعدوانيته، وهمجيته، وتجاوزه على القيم والأعراف والقوانين الدولية، وهو يجد المنظمات العالمية والحكومات لا تحرك ساكنا للرد على تجاوزاته، ولا المظالم التي ينشرها، بل يجد الدعم والمساندة، وإفشال القرارات الأممية التي تعتني بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والحياة وحق العودة.
عندما تتأخر أميركا فهذا يعني أن قوى عالمية أخرى تأخذ بزمام الأمور، وتعيد ترتيب النظام العالمي، وتشكله لا على النمط الغربي المتسلط، والعدواني، والمهيمن، والقائم على استلاب الحقوق، ونهب خيرات الشعوب، ودعم الأنظمة المتسلطة، والتضليل الإعلامي، واستهداف القيم والثقافات البشرية وتدميرها، ونشر مفاهيم وقيم جديدة تقوم على الاستلاب الثقافي والمعرفي، وتفكيك بنية المجتمعات، ونبذ الأخلاق، وترسيخ سلوكيات شائنة ترتبط بما يصطلح عليه نظام التفاهة، ودعم حركات مشبوهة تدعو إلى المثلية الجنسية وتخربب القيم الأخلاقية التقليدية، والنظام الأسري الطبيعي.
العالم لا يتوقف على أحد فالطيور المهاجرة لاتلتفت إلى الطير الذي يسقط من شدة الإعياء والتعب والتحليق البعيد، هو يتحرك قدما، وهذا لا يعني خروج أميركا الكامل وضياعها، ولكنها ستكون مجبرة لتعيش فيه مثل بريطانيا التي غادرت كونها إمبراطورية محتلة للعالم، لتنشغل بمشاكلها الداخلية، وهي تتقزم رويدا، أو فرنسا التي كانت تتوسع مع نظيراتها الغربيات لتجتاح العالم، وتستضعف الشعوب، وتسرق ثرواتها لتؤسس لمجتمع نخبوي متخم لا يشبع من النهب، ويرغب في إشعال الحروب الداخلية والنزاعات من أجل دوام ضعف البلدان التي تجتاحها، وتنهب خيراتها. العالم يتحرك لأن قدره ذلك، وليس ممكنا منع الصين وروسيا ودول أخرى من أن تتحول إلى قوى عظمى منافسة لديها قدرات هائلة، وتحتفظ بعلاقات متميزة مع بلدان مختلفة، وعندما تتراجع أميركا فإن الكيان الغاصب سيكون في مواجهة الحقيقة الصادمة، وهي أنه محاصر، ومنبوذ، وغير مرغوب فيه بالرغم من ادعاءات التطبيع، والاندماج، والانفتاح على بعض الدول، وهذا كله لا يكفي لتأهيل هذا الكيان، ودمجه في المنظومة العربية والشرق أوسطية لأنه طارئ دخيل لا يمتلك مقومات البقاء، وعليه أن يزول في يوم ما، وما ذلك على الله ببعيد طالما كان هناك من قرر الصبر والصمود.. شعب فلسطين العظيم.
* كاتب عراقي
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل