مرعي عبد الرحمن نسيج ذاته
نبض الحياة- عمر حلمي الغول

بعد أسبوع من رحيل المناضل الوطني الكبير مرعي عبد الرحمن "أبو فارس" ارتأيت تأبينه، وقول كلمة في حقه استحقها عن جدارة. رغم أني لم أكن مقربا منه، وكانت معرفتنا تقوم على الاحترام المتبادل. لكن تجربة الرجل تستحق التوقف أمامها، وتسليط الضوء عليها، وإن جاز لي التعبير تكريمه بما أملك من أدوات التكريم، وهي وضع تجربته أمام القارئ الفلسطيني المتابع لكتاباتي، خاصة من الأجيال الجديدة الذين لم يعيشوا زمن العطاء الفلسطيني، وزمن الحرث والفعل الفكري السياسي، زمن الآمال الكبيرة عندما كانت الـ"نحن" هي الأعلى و"الأنا" الذاتوية هي الأدنى، وحينما كانت الثورة الفلسطينية المعاصرة شعلة مضيئة في السموات السبع، وكان شعاعها يغطي مساحة الكرة الأرضية، مع أن الظاهرة العلنية للثورة كانت تتركز في بقعة جغرافية محدودة وأقصد منطقة الفاكهاني والطريق الجديدة وأبو شاكر في القسم الغربي من العاصمة اللبنانية بيروت، بالإضافة للجنوب اللبناني والمخيمات الفلسطينية، بيد أنها جعلت منها مركز الكون السياسي والأمني، وملتقى المبدعين والمفكرين من كل المدارس الفكرية اليسارية والوطنية والقومية، وضاعفت من مكانة عاصمة الثقافة العربية آنذاك.
عن عمر ناهز الثمانين عاما رحل مرعي عبد الرحمن يوم السبت الموافق 29 نيسان/ أبريل الماضي في العاصمة الأردنية عمان بعد معاناة طويلة مع المرض، الذي ولد في قرية الشجرة في الجليل الأسفل عام 1944، قبيل النكبة بأربعة أعوام، وفي عام النكبة 1948 اضطرت عائلته للهجرة إلى مخيم حمص في سوريا، لا سيما أن عددا لا بأس به من أبناء وعائلات القرى الفلسطينية في الجليل هاجروا لحمص، درس الابتدائية والإعدادية في مدارس المخيم والثانوية في مدارس حمص، وتابع تحصيله العلمي في مدينة سان بطرسبورغ/ لينينغراد في روسيا السوفييتية عام 1963، وتخرج عام 1969 بدرجة ماجستير في اللغة والأدب الروسي، وكان انقطع عن الدراسة لبعض الوقت أثناء هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وحسب وجهة نظر الصديق أحمد نجم، التحق آنذاك في فتح، مع أن هناك رأيا آخر يقول، إنه التحق بالحركة عام 1969، أي بعد إنهاء دراسته، وبغض النظر عن هذا التباين المحدود، وفق أبو علاء فإن الذي أعاده لاستكمال دراسته هو أمير الشهداء أبو جهاد خليل الوزير عام 1968، ولاحقا بعد عام 1982 حصل على شهادة الدكتوراة من معهد الاستشراق في موسكو، وكانت أطروحته بعنوان "تطور سياسة منظمة التحرير عبر النضال التحرري ضد الاستعمار الإسرائيلي".
ورغم ميول مرعي اليسارية لم يلتحق بأي فصيل يساري، مع أنها أقرب لعالمه الفكري السياسي، إلا أنه كان يعتقد أن التحاقه بحركة التحرير الوطني فتح، الفصيل الأكبر، ينسجم أكثر مع فرضية الاستفادة من الطابع الجبهوي للحركة لخلق مناخ ثوري بثوب يساري. لا سيما أنها (فتح) لم تعتمد أي مدرسة فكرية محددة، وفتحت الأبواب على مصاريعها للكل الوطني ليكون عضوا فيها بعيدا عن القيود الفكرية، لاعتقاد أبو فارس أن القاعدة الاجتماعية الواسعة للحركة تمنح تيارهم الفرصة للغرف من هذا الوعاء دون قيود، ولقناعتهم بأن الأولوية تتمثل في تعميم ونشر الفكر الماركسي اللينيني على الطريقة التبشيرية، بحيث تشكل الحاضنة الدافئة لأي مكون حزبي تنظيمي لاحقا.
مع ذلك لم يمنعه اعتقاده من نسج أوسع العلاقات مع القوى اليسارية الفلسطينية والعربية والأممية، وشكل مع نخبة من أقرانه في تنظيم حركة فتح تيارا يساريا وفق معاييرهم، ومنهم حنا ميخائيل، وماجد أبو شرار وأحمد أبو شاويش، وعبد الفتاح القلقيلي وأبو صالح وأبو خالد العملة وقدري ومحمد أبو ميزر وناجي علوش وإلياس شوفاني والأزهري ومحجوب عمر ومنير شفيق وغيرهم. وتبين في سياق سيرورة هذا التيار، أنه متباين الاجتهادات والرؤى في قراءة المسألتين الوطنية والقومية والمسألة الصهيونية، والدليل انشقاق أكثر من مجموعة منهم عن الحركة الأم فتح، أبرزها انشقاق 1983 بقيادة الراحل أبو صالح وأبو خالد العملة وأبو موسى ومن لف لفهم تحت مسمى "حركة فتح الانتفاضة" وتبين لقيادة هذا الإطار، أنهم لم يكونوا أكثر من أداة بيد الأنظمة العربية الداعمة لهم، وعلى حساب منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد، التي رفضها مرعي وأقرانه من المؤمنين بوحدة حركة فتح، ورفض فلسفة الانشقاقات لأن مآلها الاندثار، وكون الشعب وقواعد الحركة رفضوا ويرفضون الانشقاق كمبدأ، ويرفضون التبعية لأي نظام عربي مهما كان شعاره ويافطته القومية، وحرصا على القرار الوطني المستقل.
من حافظوا من التيار اليساري على عضويتهم في فتح تمثلوا النموذج الفيتنامي في بناء الجبهة الوطنية للدفاع عن المشروع الوطني. وكان طموح المناضل مرعي أوسع من النطاق اليساري الفلسطيني، فنسج علاقات مع الأحزاب الشيوعية الجذرية ومنها الحزب الشيوعي المصري 8 يناير بقيادة طاهر عبد الحكيم، ومجموعة الشيوعيين في مجلة "قضايا فكرية" ومنهم محمود أمين العالم ونوال السعداوي، ورياض الترك وميشيل كيلو في سوريا وفي لبنان كان قريبا من منظمة العمل الشيوعي وغيرهم من المدرسة الماركسية اللينينية المتمردة على الواقع الكلاسيكي للحركة الشيوعية، مع أنه تخرج من تلك المدرسة، إلا أنه انقلب عليها، لاعتقاده وأقرانه أنها بحاجة إلى استنهاض وتطوير. وكأنه استحضر من حيث يدري أو لا يدري نموذج القائد المؤسس الراحل جورج حبش، الأمين العام الأول للجبهة الشعبية وتحالفاته مع القوى اليسارية المتطرفة في الساحات العربية المختلفة، مع الفارق بين الطرفين والتجربتين، لكن مآلهما واحد.
ومن السمات الخاصة للمناضل الراحل مرعي عبد الرحمن كتابه عن "الإمبريالية اليهودية"، والذي تميز في طرحه عن النسق العام للمفكرين السياسيين الفلسطينيين والعرب وحتى العالميين في قراءة المسألة اليهودية، ونشوء وتطور الحركة الصهيونية، حيث افترض أن الإمبريالية ولدت أولا في الحاضنة الدينية التجارية الربوية اليهودية قبل نشوء وتطور التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية للرأسمالية في الغرب الأوروبي والأميركي، وثانيا دور المال الربوي اليهودي في فرض الأجندة الصهيونية على الأنظمة الرأسمالية. وهذا موضوع جدال ونقاش واسع، لا مجال للاستفاضة به. ولكنه شكل أحد ملامح أبو فارس الأساسية، وميزه عن أقرانه وتياره، ولهذا كان نسيج ذاته.
تولى مرعي عبد الرحمن العديد من المهام في منظمة التحرير، منها رئاسة دائرة العلاقات القومية في المنظمة، وترأس إدارة المنظمات غير الحكومة، ومثل فلسطين في السكرتاريا الدولية للمنظمات غير الحكومية التي تتبع للأمم المتحدة، وبعد العودة للوطن في أعقاب اتفاق أوسلو 1994 استلم مسؤولية دائرة العلاقات القومية في المنظمة حتى عام 2005، مع أن المرض انقض عليه بعد اجتياح شارون لمحافظات ومدن الضفة الفلسطينية عام 2003، حيث لم يحتمل آنذاك تكسر العديد من الأحلام والطموحات الوطنية الكبيرة.
رحل الفارس المقدام أبو فارس إلى عالم الخلود الأبدي، تاركا خلفه ميراثا وطنيا وقوميا وأمميا خلد اسمه بين الأسماء الحسنى للوطنية الفلسطينية، وحفر حروف اسمه على صخور الكفاح التحرري، وسيبقى مكانه حاضرا في سجل الخلود، أحر التعازي القلبية لأسرته المناضلة بكل أفرادها ودرجات القرابة، ولإخوانه في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ولكل محبي مرعي عبد الرحمن، الذي شكل بجد ظاهرة متميزة في الساحة الوطنية، رغم أنه لم يكن عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح، ولا عضوا في المجلس الثوري، ولكنه كان أكثر حضورا من أسماء وقيادات في الهيئات القيادية. ولروحه السلام.
[email protected]
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل