تحرير التعليم للقضاء على التعليم البنكي
ناريمان يوسف

إنّ التعليم هو السبيل إلى التنمية الذاتية وهو طريق المستقبل لتنمية المجتمعات، فهو يطلق العنان لشتى الفرص ويحدّ من أوجه اللامساواة، وهو حجر الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات المستنيرة والمتسامِحة والمحرك الرئيسي للتنمية المستدامة، كما أنه يعتبر حجز الزاوية الأساسي لكل مجتمع، فلا يتم الاستغناء عنه بأي شكل من الأشكال، وهو الاستثمار الأوحد والأفضل الذي يمكن للدول تأديته لبناء مجتمعات مزدهرة، وصحية وعادلة.
ولما تم ذكره من فوائد للتعليم سواء على المستوى القريب أو البعيد، فإننا نأسف لما وصل إليه هذا التعليم في الظروف الراهنة التي نعيشها، وفي هذه الظروف لا يسعنا إلا أن نردد الصيحة المعيارية للمعلم البرازيلي باولو فريري التي تؤكد لما نراه في الميدان أنه لا يوجد تعليم محايد، بل تعليم يقهر، أو آخر يحرر، فرحل فريري عن هذه الدنيا ولكنه قبل أن يرحل وضع قضية التربية والتعليم على طاولة النقاش العالمي، حين نادى بالأخذ بالتعليم النقدي (الإشكالي) بدلا من ذلك الذي يزيد من تبعية الشعوب.
يقول باولو فريري: إن قرار تعليم الشعب القراءة والكتابة هو نفسه قرار سياسي، ومهما يحدث فإنه يجب علينا أن نحذر من التلميحات التي تقال بذكاء أحياناً وخبث أحياناً أخرى، لإقناعنا بأن تعليم القراءة والكتابة عمل فني محض ولا يجوز خلطه بالسياسة، ذلك أن تعليم القراءة والكتابة لا يمكن أن يكون عملاً حياديًا، فكل ضرب من التعليم يقتضي بطبيعته أن يكون له قصد سياسي،
لعل أهم ما يميز هذه النظرية التي ذكرها فريري أنها جاءت تعبيرًا عن أوضاع المجتمعات، وقدمت تفسيرًا لما يعانونه من الفقر والتبعية والقهر والجهل، ومن ثم استهدفت تمكينها من تجاوز التخلف عن طريق التربية التي تنظر إلى التحرير، وليس التبعية فهذه النظرية جعلت من التحرير التربوي وسيلة لتحرير المجتمع من مشاكله الاجتماعية.
فلذلك فإن فريري يؤكد دائمًا أن التعليم في بلد مقهور يكافح من أجل التحرر يجب أن يكون سياسيًا غير محايد، وإلا فلن ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا فإن فلسفة باولو فريري لم تأت فقط من التفكير والدراسة والتنظير بقدر ما جاءت نتيجة للدراسة وللممارسة العملية والواقع الحياتي، فباولو فريري لا ينقل فلسفات أو يخاطبها فقط، بل يفكر ويعمل من أجل تطبيق هذه الفلسفات دون تجاهل لتجارب السابقة الناجحة، فأخذ منها أفضل ما فيها مما يمكن أن يناسب الوضع القائم التي تعمل فيه.
ووضح فريري لما يطلق عليه التعليم البنكي بأنه أداة للقهر يتم فيها التعامل مع المتعلمين بوصفهم أشياء أو مستودعات، أي كم المبلغ الذي تم إيداعه بهذا المفهوم، حيث لم يعد المعلم إحدى وسائل المعرفة والاتصال بالعلم، بل مصدر بيانات ومودع معلومات ينتظره الطلبة الذين تحدد دورهم في هذا النوع من التعليم كمستقبلين للمعلومات يخزنونها دون وعي لحفظها وإعادة تذكرها دون أن يعوا معانيها، وفي النهاية تصبح وظيفة التعليم في هذا المجتمع تحقيق تكيف الإنسان مع المجتمع واستسلامه للقهر.
ولا يسعنا هنا إلا تسليط الضوء على المفهوم الجديد الذي طرحه فريري بدلاً من التربية المصرفية التقليدية التي تدعم القهر الذي يبقي المعلمين من الفئة المتأقلمة وسهلة القياد، والطلاب مجرد مخازن للمعلومات، فذلك كله يصب في قلّة وعيهم بالعالم الذي ينبغي عليهم تغييره وجعله في تطور مستمر، فقبولهم لهذا الدور السلبي المفروض عليهم يعني بالضرورة تأقلمهم المستمر مع الواقع المفروض عليهم، والمعرفة التي أريد لها أن تملأ عقولهم، فلذلك يطرح باولو فريري مفهومًا جديدًا للتربية يدعو إلى الحرية وهو التربية الإشكالية أو النقدية، وهذا الأسلوب يعتمد على طريقة طرح المشكلات وعلى جوهر الوعي وكشف مستمر للحقيقة والحياة، كما يجعل التعليم هو الأداة الأساسية لممارسة الحريّة، والوسيلة التي يتمكن من خلالها من التعامل بشكل انتقادي وخلاّق مع الواقع، وتصنع من المتعلمين مفكرين ناقدين على أساس الإبداع والتفكير الناقد، والنظر إلى الوضع الراهن غير السوي كمشكلة قابلة للتغيير.
ولما تم ذكره سابقا لما جاء به فريري، وإذا أسقطناه على أزمة التعليم في مجتمعاتنا في الوقت الحالي، فإننا نجد أنه أكبر صراع نعيشه هو الذي يستند إلى أسلوب التعليم الذي يعتمد على التلقين، الذي يهدف لوجود طرف مرسل والآخر المتلقي، وينتهي بتعبئة عقول الطلاب بمعلومات لا قيمة لها، ولا تثير الجوانب الحسية أو الإدراكية عند الطلاب، حيث يقتصر دورهم في هذه العملية على الحفظ والتذكر، دون إعمال العقل وإعادة قراءة ما استمعوا إليه ودون أن يتعمقوا في مضمونه، ليتحول الطلاب في هذه العملية إلى مجرد بنوك بشرية تودع فيها المعلومات والبيانات دون أدنى استفادة.
وليس من هدف لهذا التعليم التلقيني سوى تعويد الطلاب على التذكر الميكانيكي لمحتوى الدرس، وتحويلهم إلى آنية فارغة يصب فيها المعلم كلماته الجوفاء، ومن ثم يتم تفريغها عند الحاجة إليها، وإذا ما ظل المعلم قادرًا على القيام بهذه المهمة، كان ذلك دليلا على كفاءته، وإذا ما ظلت الأوعية التي تُصب فيها المعلومات قادرة على الامتلاء، كان ذلك دليلًا على امتياز الطلاب.
وإذا تم الاستمرار على طريقة التذكر الميكانيكي يصبح التعليم ضربًا من الإيداع، يتحول الطلاب فيه إلى بنوك، يقوم الأساتذة فيها بدور المودعين، حيث لم يعد المعلم وسيلة من وسائل المعرفة والاتصال، بل أصبح مصدر بيانات، ومودع معلومات، ينتظره الطلاب في صبر، ليستذكروا ما يقوله، ثم يعيدوه.
ومن هنا تكون مهمة التعليم البنكي تتركز في تقليل القدرة الإبداعية عند الطلاب، أو إلغائها تمامًا، والقاهرون يتصرفون ويعملون ضد أي محاولة في التعليم تستهدف تطوير القدرات العقلية القادرة على التفريق والتحليل والنقد، فكلما تحول الطلاب في إطار التعليم البنكي إلى مجرد مخازن للمعلومات، قلَّ وعيهم بالعالم المنوط بهم تغييره، فقبولهم لهذا الدور السلبي المفروض عليهم، يعني بالضرورة تأقلمهم المستمر مع الواقع المفروض عليهم، والمعرفة المباشرة التي أريد لها أن تملأ عقولهم.
ولأجل ذلك يشجع القاهرون مفهوم التعليم البنكي ويفرضون سيطرة أبوية على النظام الاجتماعي، الذي يتلقى فيه المقهور تعليمه، فهم يعتبرون أمثال هؤلاء المقهورين حالات فردية مهمشة لا يحق لهم التمتع بمزايا الصلاح والنظام والعدل الاجتماعي، فهذه الفئة في نظرهم هي الجزء المريض في جسم المجتمع صحيح البنيان ويحتم واجبهم أن يتحملوا مسؤولية عدم الكفاءة والكسل حتى يؤقلموا أنفسهم ويغيروا من عقلياتهم ليصبحوا جزءا مندمجاً في جسم هذا المجتمع المزعوم.
ولذلك يجب إنقاذ ما يمكن إنقاذه للارتقاء بمستوى الشعوب من ناحية ومستوى التعليم من ناحية أخرى، ورفع شعار والتمسك في التعليم الحر، فلا يتم تجزئة نشاط المعلم والطالب، فهو ليس العارف في مرحلة ما والراوي في مرحلة أخرى، فالمعلم يقدم المواد للطلاب للنظر فيها، ويعيد النظر في اعتباراته السابقة لدى تعبير الطلاب عن وجهات نظرهم، ويصبح الطلاب الذين لم يعودوا مستمعين خانعين الآن بل باحثين مشاركين انتقاديين في حوارهم مع المعلم.
ومن هنا يمكن الاستنتاج أن التعليم الجيد الذي نريد أن نرتقي إليه هو ذلك الذي يعتمد على الإضافة الحقيقية للطالب، التي من خلالها يتم إزالة وإزاحة التناقض بين المعلم كطبقة عليا، وتلميذه كطبقة سفلى، وهنا ينبغي التعديل إلى صيغة ومعادلة مختلفة، حيث يصبح فيها الطرفان أساتذة وطلابًا في ذات الوقت، وتنحي جانب السيادة للمعلم والعبودية للطالب، بعيداً عن أسلوب التعالي والتكبر، والسبيل الوحيد من أجل حل التناقض في علاقة المعلم والطالب المتمثلة في كون المعلم مودعًا ومنشئاً هو القضاء على حقيقة القهر من أجل خدمة أهداف الحرية، والوصول الى تلك المجتمعات المستنيرة الواعية المنشودة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل