عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 نيسان 2023

حرف الألف من الرواية

تغريدة الصباح- محمد علي طه

أقر وأعترف بأنني لا أفتح بالمندل، ولا أقرأ خطوط راحة اليد، ولا ما في فنجان القهوة، ولا أملك سِفرًا من أسفار سليمان المخفية، ولست من مريدي أبي الطيب أحمد بن الحسين، ولا من أتباع أية طريقة صوفية، ولا أدعي معرفة الغيب فما أنا سوى أديب يجيد القراءة وصناعة الكلام، وهبه الخالق مشكورًا عينًا ثاقبة، وعقلاً يعمل ويسعى إلى قراءة ما وراء الكلمات قراءةً هادئة عميقة موضوعية، بعيدةً عن العاطفة وعن الرغبة فقد طاردت مروحية عسكرية في الطريق الساحلي قبل عقودٍ بطل قصتي "ويكون في الزمن الآتي" لأن الشاب نهض من النوم محبا لقندول الوطن وسنديانه وزيتونه ونخيله، وعاشقًا لحرف الضاد والنسيم العليل ورغيف خبز القمح من فرن والدته، فهل نحن اليوم في "الزمن الآتي" الذي عاشه بطل القصة؟ وهل سيقرع "الشبيحة" أبواب بيوتنا في الليالي الدامسة وفق تعبير أهلنا السوريين البواسل؟ وهل سوف يتسلل "البلطجية" إلى اجتماعاتنا ومهرجاناتنا ومسيراتنا ومظاهراتنا ومقاهينا ونوادينا كما أخبرنا إخوتنا المصريون في ميدان التحرير؟ وهل سيسرق زوار الليل وأوباشه النوم من عيوننا والأمن من نفوسنا مثلما يحدث يوميا لأهلنا في نابلس والخليل وجنين؟ وهل ننتظر عودة مثالب الحاكم العسكري وأزلامه في أيام الأربعاء؟

لا أنتظر ملهاة أو مأساة من الزمان الذي لن يعود بعد أن شربنا الكأس مرةً ومرتين وثلاثًا على الرغم من أنني قرأتُ حرف الألف من رواية استشهاد الطبيب الشاب محمد العصيبي على باب المسجد الأقصى في زهرة المدائن!

عاد محمد العصيبي قبل أيام من رومانيا وفي صدره أحلامه وآماله ومستقبله وعشقه لرمال النقب وفي جيبه شهادته الجامعية وألقى رأسه على صدر أمه الدافئ وسافر إلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي التراويح وعاد في كفن لأنه عربي فلسطيني وشاب ومتعلم ومنتصب القامة ومرفوع الهامة وجاء يصلي العشاء والتراويح في مسجدنا الأقصى!

حينما حذرتُ وآخرون هؤلاء القاعدين قبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة من ترك الساحة لليمين الفاشي سخر البعض من هذا الكلام وسخفوه قائلين "يخوفوننا ببن غفير بعدما عرفنا كهانا ورفول وشارون وليبرمان؟ لن يجدي هذا التخويف!" كما صرح قائد وطني بارز بثقة "نحن لا نخاف!" فهل صار الخوف الإنساني مثلبةً بينما يقول مثلنا الشعبي "اللي ما بخاف مجنون" ونحن لسنا مجانين ولسنا جبناء.

يحق لي أن أتوقع- كما كتبتُ قبل أسابيع- بأن أي حل لهذه المظاهرات الكبيرة وأي تفاهم بين طرفي الخصام سوف يكون على حسابنا نحن المواطنين الأصلانيين أبناء وبنات هذه الأقلية العربية الفلسطينية الصامدة الباقية.

نحن الذين سندفع مهر ديمقراطيتهم التي يصيبنا منها الفتات، ونحن الذين سندفع وجباتهم عندما يجوعون، ونحن الذين سندفع ثمن النبيذ في كؤوسهم حينما يتفقون، ونحن الذين سنكون وقودًا لليمين الفاشي كي يرضى نيرون.

أرى الرجل الفاشي القبيح الذي حذرنا منه قادمًا اليوم إلى مدننا وقرانا سواء الباقية منها بعد النكبة أو التي تجرعت كأس النكسة ولن يميز جنوده بين جبهوي وقومي وإسلامي وناطق وصامت وسائر وقاعد.

لا أريد أن أخيف أحدا منكم، ولا أرهب أحدا منكم، ولا أرعب أحدا منكم بل أنادي كي نستبدل الفعل "قال" بالفعل "فعل".

وأنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا، أحب شعبي وأثق بأبنائه وبناته وأرجو الخير والأمن له وللبشرية.