الإرهاب اليهودي.. من اغتيال برنادوت إلى اغتيال رابين
باسم برهوم

في 17 أيلول/ سبتمبر 1948، خلال حرب ذلك العام، اغتالت منظمة "ليحي شتيرن" وسيط الأمم المتحدة للقضية الفلسطينية، الكونت "فولك برنادوت" لتسوية الصراع، في المنطقة التي كانت تسيطر عليها القوات الصهيونية في القدس، ومنظمة "ليحي" هي منظمة يمينية، متطرفة، إرهابية، وحتى يمكن وصفها بأنها فاشية، لأنها كانت تجاهر في مرحلة مبكرة بأنها تفضل التحاف مع ألمانيا النازية، على التحالف مع بريطانيا...!! ويطلق أيضاعلى منظمة "ليحي" اسم "شتيرن" نسبة إلى مؤسسها "ابراهام يائير شتيرن" وهو يهودي بولندي، كان هو وعصابته بؤمنون باستخدام القوة والإرهاب من أجل إقامة الدولة اليهودية.
اغتالت "شتيرن" برنادوت، لأن هذا الوسيط الدولي وبعد أسابيع من البحث ودراسة الواقع في ربيع وصيف عام 1948 تقدم بمبادرة لتسوية الصراع اعتبرتها إسرائيل تقويضا للدولة التي كانت تكرس وجودها بالقوة والدمار والتطهير العرقي. المبادرة تضمنت ترحيبا بالحدود التي اقترحها قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في 29 نوفمبر1947، فقد قلصت التسوية المساحة المفترضة لإسرائيل من 14700 كيلومتر مربع الى ما يقارب 6000 كيلومتر مربع، بعد أن أعطى صحراء النقب للدولة العربية، كما وضع القدس بكاملها تحت سيطرة الأمم المتحدة، وجعل ميناء حيفا ومطار اللد مناطق محايدة، والأخطر بالنسبة لإسرائيل هو أن تسوية "برنادوت" أعطت الأولوية لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها خلال الحرب، ولهذا اتهمته إسرائيل، بالانحياز للجانب العربي، وعليه أقدم إرهابيو منظمة "شتيرن" على اغتيال "برنادوت".
بعد 47 عاما من اغتيال برنادوت، وبالتحديد في 4 نوفمبر عام 1995، وبينما كان يشارك في تظاهرة حاشدة، دعما للسلام وسط تل أبيب، تم اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين" على يد اليهودي المتطرف "يغال عمير" عملية الاغتيال جاءت بعد أشهر من حملة تحريض منظمة من اليمين، واليمين المتطرف اليهودي ضد "رابين" على خلفية توقيع حكومته على اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية. في نظر هذا اليمين فإن الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبالتنازل له عن أجزاء من "أرض إسرائيل" يمثل بداية لتقويض الدولة فكان لا بد من تصفيته.
صحيح أن "عمير" لا يزال في السجن، إلا أن من كانوا داعمين لفكرة الاغتيال ويجاهرون بها وفي مقدمتهم "بن غفير" هو اليوم وزير الأمن القومي في إسرائيل، رغم ما عليه من لوائح اتهام في التحريض العنصري والأعمال الإرهابية ضد الفلسطينيين.
التسامح بل والتواطؤ التاريخي مع هؤلاء اليمينيين المتطرفين الإرهابيين منذ "شتيرن" وحتى "بن غفير" و"سموتريتش" من الصهيونية الدينية، هو اليوم ما يضع إسرائيل في أزمة سياسية وفكرية عميقة. لطالما كان هذا اليمين الفاشي موجودا، منذ مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين عندما أسس القومي الصهيوني المتطرف "جابوتنسكي" منظمة "الارغون" الإرهابية، وهي المنظمة التي انشقت عنها منظمة شتيرن في عام 1940، كلا المنظمتين الأكثر دموية وارهابا كانتا مسؤولتين عن سلسلة من المذابح بحق الشعب الفلسطيني خلال حرب 1948، من أبرزها مذبحة دير ياسين في 9 نيسان/ أبريل 1948. هذا اليمين بقي يعبث في خلفية المشهد طوال الوقت، وفي بعض الأحيان كان يظهر علنا وبشكل مكشوف لكنه اليوم هو من يحكم إسرائيل.
المجتمع الدولي، والمقصود الدول المتحكمة بالنظام الدولي، والتي مارست على امتداد عقود سياسة الكيل بمكيالين، وأغمضت أعينها عن الإرهاب اليهودي، وإرهاب الدولة الإسرائيلي، تقف أمام حقيقة أفعالها اليوم، فمن المضحك أن نسمع تصريحات على شاكلة مقاطعة وزراء الحكومة الإسرائيلية المتطرفين، وكأن نتنياهو ليس متطرفا ويعمل ليل نهار من أجل تقويض حل الدولتين. قد تكون المحكمة العاليا في إسرائيل، المطلوب رأسها من حكومة نتنياهو بأكملها، أكثر جرأة من هذه الدول التي اعتادت أن ترعى الإرهاب الصهيوني وتقدم له الحماية.
ليس أمام الشعب الفلسطيني سوى مواصلة النضال دفاعا عن وجوده وحقوقه، ومن الداخل الإسرائيلي لعلنا نشهد صحوة حقيقية في مواجهة هذا اليمين المتطرف قبل أن ينجح في إغراقنا جميعا بالدم ويفجر أزمة كبيرة لا يرغب بها المتحكمون بالنظام الدولي الآن في ظل انشغالهم بأزمات أهم من وجهة نظرهم.