الترجمة.. التي لا بد منها!
تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترفُ، بأنّ الحيرة تدور بي مثل حجر الطاحون، حين أفكر بترجمة ما نكتبه عن فلسطين وأهلها، وعن فلسطين وشهدائها، وعن فلسطين والمجازر التي ارتكبت بحق قراها ومدنها، وعن فلسطين وما يحدث فيها من تهويد يطال كلّ شيء حتى الهواء، وعن فلسطين والفلسطينيين وأحلامهم التي صارت غابات من أشجار وارفة!
قناعتي أكيدة بأن لا أحد سيُقدم على ترجمة ما كتبناها إلى اللغات العالمية دون مؤيدات وأسانيد، وإن أقدم أحد على ترجمة بعض مما كتبناه فإن هذا سيكون عائداً لأسباب خاصة جداً، وعبر انتقائية خاصة جداً أيضاً، أي دون أن تُغضب الإسرائيلي أو تثير حفيظته!
أقولُ هذا لأنني أعرف الخوف البغيض المعرّش في نفوس المترجمين الغربيين من الاقتراب من الأدب الفلسطيني، والخوف المماثل المعرّش في نفوس أصحاب دور النشر الغربية أيضاً، وسبب هذا الخوف يعود إلى ذهنية عدم إغضاب الإسرائيلي!
مستشرقة ألمانية تحبّ الأدب العربي، وتناصر القضية الفلسطينية، قالت لي: أنا لا أجرؤ على ترجمة نصوص من أدبكم خوفاً من اتهامي بمعاداة السامية! وإن تجرّأت وترجمت فإن ما من دار نشر لدينا لها الجرأة على نشر ما ترجمت! قلت: لماذا؟! ألسنا أصحاب مواهب؟ أوليس ما نقوله هو الحقّ والحقيقة؟ ألم نتعرض كشعب لمأساة هي سُبّة في تاريخ البشرية؟! أليس ما نكتبه على وفرة إبداعية بادية؟! قالت: أنتم مبدعون، ونصوصكم محتشدة بالإبداع، ولكن العين الإسرائيلية تطارد كلّ من يتحدّث عنكم صواباً، وفي كلّ جانب من جوانب الحياة، من الطريق وغدير الماء، إلى البيت والعادات والتقاليد، إلى التاريخ والعمران! قلت: هذا هو العدو! قالت: إنه لا يريد الظهور والانتشار إلا لروايته، وما يقوله! قلت: والحل؟! قالت: ترجموا أنتم!
بلى، هذه هي القولة الحقّ التي نريد للأفعال أن تسندها وتجعلها حقيقة، أيّ أن نؤسس دور نشر خاصة بالترجمة، وأن نحتضن أعلام الترجمة أصحاب الخبرة، وأن نطبع ما نكتبه مترجماً لأهمّ لغات العالم، وأن نوزّعه حتى لو عانينا، وحتى لو أقيمت الحواجز والعقبات في وجوهنا، علينا أن نكون شعباً من فصيلة الأنهار التي تحفر مساراتها بالقوة المطلقة، دون أن تأخذ باعتبارها الصخور والأشواك التي ستواجهها، لنكن أهل عناد حياتي ووطني ما دام هذا العالم الذي يدعي الحضارة أطرش أعمى وأخرس تجاه قضيتنا، لا بل ما دام هذا العالم (المتحضّر) هو الذي أقام الكيانية الإسرائيلية التي أعمار آبائنا أكبر من عمرها! وما دام يؤيدها ويخاف منها! علينا، وببلطة حطّاب أن نجتثّ خوفنا من اقتحام تجربة الترجمة بأيدينا، وأن نوفّر لها كلّ أسباب النجاح، أي أن نختار الكتب التي نريد ترجمتها على اختلاف أنواعها، ونختار اللغات التي سنترجم إليها، وأن نكمل دورة مسارات الكتاب فنوزّعه مجاناً، ليصير في الجامعات ومراكز البحوث، والمكتبات، ومعارض الكتب، قد نصيب من النجاح القليل في أول الأمر، ولكن بالعناد الحضاري سنصيب الكثير من النجاح، فالكتب هي أهم أداة تغيير عرفتها البشرية، وهي الدواء الأمثل لاقتلاع أخطاء القوة الفاسدة التي تطاولت غيّاً حتى صارت جبالاً، ومنها الخطيئة اللاأخلاقية التي ارتكبت بحقّ أبناء شعبنا الفلسطيني، وسرقة أراضينا عبر إقامة مستوطنة هنا، ومستوطنة هناك، وعلينا أن نظلّ على قناعتنا بأنّ كلّ هذا الوجود الإسرائيلي هو وجود استيطاني استعماري، غريب وهجين وغير أخلاقي في كلّ شيء!
بلى، علينا ألا ننتظر منّة أحد في ترجمة ما كتبناه ترجمات غير لائقة، وبأعداد زهيدة جداً، وتوزيع ليلي لا يفصح عن شيء. علينا أن نجاهر، وهذا حقّنا في ترجمة ما كتبناه علناً، وأن نختار أجمله علناً، وأن نوزّعه علناً، لأن هذا ما يؤكّد صلابتنا، وهذا ما يؤكّد قدرتنا على الحفر في الصخور الكثيرة التي زرعها الإسرائيلي في طريقنا! ويؤكد قدرتنا على هدم هذه الأسوار البغيضة التي أقامها الإسرائيلي حول دور النشر والمعارض العالمية، والأقفاص التي أحاط بها المترجمين في البلاد الغربية، وهي أقفاص قضبانها من ترهيب وترغيب! علينا، ومن حقّنا أن نرى قصائد نوح إبراهيم، وإبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي، وعبد الرحيم محمود، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد، ومحمود درويش، ومعين بسيسو، وخالد أبو خالد، ومحمد لافي، وعلي الخليلي، وسامي مهنا، ومراد السوداني، وعبد الناصر صالح، والمتوكل طه، ومحمود علي السعيد، وعبد الله عيسى، ويوسف عبد العزيز، باللغات الأجنبية، وعلى قراء هذه اللغات أن يعرفوا الكتابات الفلسطينية التي يرنّ إبداعها صفاء وصدقاً مثل الذهب، وعلى قرّاء هذه اللغات أن يعرفوا السرد الفلسطيني الذي طيّه روايتنا التي تردّ على رواية عدونا النقيض وتكشف قبحها وخطأها وزيفها.
أجل، علينا أن نعمل ما يعمله الحطّاب، حين يعود من الغابة فهو ينقّي شوك قدميه بيديه، وهذه هي ثنائية العمل والتجربة!