عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 كانون الأول 2015

صور ظالمة

حنان باكير

عاودني هاجس قديم.. كنت أنبش في أوراق قديمة لي، فعثرت على قصاصات ورقية، صارت مصفرة وكئيبة، مثل وريقات شجر خريفي. وريقات تشبه زماننا الكئيب الذي نحياه. ليس هذا ما أهجس به الآن.. بل هو القهر الذي يسكنني منذ عقود، حول الصور النمطية التي أطرت الانسان الفلسطيني! ليس فقط صورة الفقر والمخيمات، وسيارات تحمل المعونات الغذائية. تارة سيارات الأونروا الزرقاء، وتارة سيارات الفصائل المسلحة، ثم سيارات هيئات الاغاثة الاوروبية.

لكن هناك صورة أخرى، أو لنقل هي ظاهرة.. عندما يرتكب انسان فلسطيني عملا شائنا، يسارع الإعلام الى إبراز جنسيته، وحين ينجح انسان من أصل فلسطيني، تنسبه الدولة المضيفة لها وتتجاهل أصله الفلسطيني، وتتناسى كذلك صفة اللجوء الموسوم بها. وتتناسى القهر والعذابات التي لحقت به، بسبب هويته "الملتبسة". هوية يعترف التاريخ بوجودها وحضارتها وآثارها.. وخارطة العالم الجغرافية تنكر وجودها.

أعود لوريقاتي الخريفية. دونت احداها في عيادة الطبيب والصديق عبد الله لاما، ابن بيت لحم. لروحه الرحمة. تقول الوريقات، ان ثلاثة طلاب في الجامعة الأمريكية، جمعتهم "الفلسطنة"، وحب فلسطين وهول المصاب بفقد وطن الآباء، والإصرار على إبقاء الذاكرة حية.. وهم د. عبدالله لاما، وأخصائي الجلد الأشهر في لبنان جان ملك وأورفلي الذي نسيت اسمه الأول.

لم يحمل الأصدقاء الثلاثة، حينها حجرا او سكينا أو بارودة.. فقط كانوا يحيون المناسبات الأليمة في تاريخ شعبهم، ذكرى وعد بلفور، ذكرى تقسيم فلسطين، ذكرى مذبحة دير ياسين.. لكنهم طوردوا، واعتقلوا ونالوا من القمع ما ناله أي فلسطيني آخر. توقف اثنان منهما عن الأنشطة العلنية، لكن إورفلي بقي "مشاغبا"، ثم صار مطلوبا للعدالة، فاضطر للهرب الى أميركا. تخرج الطبيبان بتفوق كاسح. وصارا من ألمع الأطباء في مجاليهما. أما أورفلي فقد برز ونبغ في اميركا، وصار شخصية عالمية.

وبعد سنوات طويلة، عاود الحنين الى الأهل والاصدقاء، الدكتور اورفلي، فقرر زيارة الأهل والأصدقاء في لبنان. تم تشكيل وفد لبناني رسمي، لاستقباله في المطار، وهذا ما أثار حنق صديقيه القديمين. فقررا استقباله بشكل شخصي. في اليوم الموعود، فرش السجاد الأحمر للمطلوب الفار. خرج ركاب الطائرة جميعهم ولم يكن بينهم اللاجئ الفلسطيني. تعجب الجميع. وبعد استفسار الأصدقاء، تبين أن الأمن قام باعتقاله من مدرج المطار، لأنه مطلوب لأسباب أمنية!! بعد وقت قصير من الاتصالات، أطلق سراحه مع الاعتذار.. لكنه قرر مقابلة صديقيه والعودة السريعة الى الوطن الذي احتضنه فلسطينيا، وقدر عبقريته ونبوغه.

الوريقة الثانية المختصرة، دونتها في مكتب العميد المتقاعد، حسن أبو رقبة. تتحدث الوريقة عن المتمول الفلسطيني الكبير "أدريان جدي".. الذي كان من كبار رجال الاستثمارات العقارية والسياحية في لبنان، ومنذ وصوله اليه من فلسطين إثر نكبة الـ 1948. عمل في عدة مؤسسات مالية، منها بنك إنترا، لصاحبه الفلسطيني، يوسف بيدس، وقصة المؤامرة على البنك معروفة. ثم تسلم إدارة كازينو لبنان في فترته الذهبية.

تعرض أدريان لضغوط عديدة، أدت الى اعتقاله.. ثم أطلق سراحه من دون محاكمة، بعد تسوية معينة.. فآثر مغادرة لبنان للإقامة في بلد غربي.

حين يعمد المغتصب لتشويه سمعة الانسان الفلسطيني، ويعمد الاعلام العربي لمصادرة النابغين من شعبنا.. فأي ظلم هذا!!