عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 كانون الأول 2015

«محمد غالب شقير»

عيسى عبدالحفيظ

جاء إلى معتقل بئر السبع فتياً إلى درجة تلفت الانتباه، لكنه امتلك وعياً متطوراً مقارنة مع سنه. كان فهمه متطوراً وإدراكه تاماً للمخططات الاستيطانية التي بدأت تغزو محافظة (سلفيت). كان مدركاً لأهمية المنطقة الإستراتيجية، فهي تقع بين شمال الضفة وجنوبها كفاصل طبيعي بمرتفعاتها وأوديتها، والأهم وقوعها على أكبر خزان مياه في الضفة.

أدرك هذا الفتى القروي البسيط، المشبع بالقيم والأخلاق الوطنية والإجتماعية المغزى من تحويل أبناء بلدته إلى عمال بناء وإنتاج في المستوطنات الناشئة على أراضيهم، فكان أن قام بطعن السائق الإسرائيلي الذي دأب على نقل العمال لردع غيره من القدوم إلى قريته. لم تكن الطعنة قاتلة لكنها كانت كافية لأن تدخله السجن لسنوات امتدت إلى أحد عشر عاماً!

قضى محمد تلك السنوات في التعلم والقراءة والمساهمة الفعالة في الأنشطة التنظيمية المختلفة. اكتسب خبرة جيدة بالإضافة إلى امتلاكه صفات قيادية أهلته بعد خروجه من السجن لأخذ دور طليعي في قريته وكامل محافظة سلفيت.

بمجرد خروجه من السجن، شرع في الإعداد لاستكمال مشواره النضالي ضد الاحتلال، واستطاع أن ينظم مجموعات جديدة مستغلاً علاقاته مع العديد من المناضلين الذين تآزروا وتعاهدوا على مواصلة النضال ما جعله هدفاً للمراقبة والمتابعة الدائمتين من قبل ضباط المخابرات والعملاء في القرى المجاورة. كانت تجربة السجن قد أكسبته مهارات أمنية ممتازة فتمسك بها، وعمل بروح بعيدة عن المصالح الذاتية والمباهاة والعجرفة، فقد تشبع بروح العمل السري النموذجي وأبدع في ذلك، الأمر الذي لم تستطع كل العيون التي رصدوها لمتابعته الوصول إلى مبتغاهم وهو القبض عليه متلبساً.

تم اعتقاله مرة أخرى ضمن حملة اعتقالات واسعة شملت الكثير من القيادات التنظيمية في مرحلة التحضير للانتفاضة الأولى. مستفيداً من تجربته الأولى، صمد محمد في التحقيق ولم ينبس بحرف واحد، وكان محور التحقيق يدور حول كمية من الأسلحة التي كانت بحوزة حركة فتح في المنطقة. ناور في التحقيق بذكاء نادر وصمد تحت سياط الجلاد صمود الأبطال. لم يواجهوا محمد بالمصدر الذي أبلغ عنه ووشى به تحوطاً لإبقاء مصدرهم سرياً، فأطلقوا سراحه مع نية مبيتة على إنهاء وجوده هذه المرة بشكل نهائي بعدما تأكد للمحققين خطورته وشدة تحمله.

أدرك محمد الخطر المبيت له، فعمل على تضليل سلطات الاحتلال والمتعاونين معهم، لذا، انتحل شخصية أخيه محمود راعي الأغنام، وحمل هويته، وانطلق مكانه يرعى الأغنام في محيط القرية، لكن عين المراقب استمرت في المراقبة، واستمر عقله هو بالإبداع، واستطاع متابعة النضال.

تحت اسم أخيه، اندمج محمد مع بقية الرعاة المقبل بعضهم من الخليل للاستفادة من جبال سلفيت الخصبة، واعتاد أن يزور معسكرا للجيش الإسرائيلي مستغلاً مهنته تلك كراع للأغنام. بعد كل جولة رماية للتمرين، يقوم بجمع الطلقات الفارغة، ومخلفات الجيش، ويرسلها إلى المجموعات ليعاد استخدامها مرة أخرى. استمر على هذه الحال ستة شهور كاملة لم ينقطع خلالها عن صلاته التنظيمية ما أدى في النهاية إلى اكتشاف أمره، كما تم تحديد الأسلوب الذي يتبعه في جمع مخلفات الجيش بعد المناورة والرماية، فوضعوا له عبوة متفجرة أرشده إليها أحد الرعاة من أبناء قريته، فما إن اقترب منها حتى انفجرت مودية الى استشهاده.