"أوراد" و(نتنياهو) وغضبة القدس
بكر أبو بكر
ليس من المستغرب أن يستخدم رئيس الوزراء الاسرائيلي كل أسلحته في مواجهة الغضبة (الهبة أو الانتفاضة) الفلسطينية، وليس من عجائبه أنه سيُنطق التاريخ المكذوب ليعيد بعثه عيانا، فهو يمارس العدوان والاضطهاد والتحريض والتمييز العرقي اليومي الذي يستدعي منه بذل الجهد الكبير ليقنع جمهوره ويقنع نفسه "بصوابية" سياساته اليمينية المتغطرسة.
في ظل استخدام رئيس الوزراء نتنياهو لما يمتلك أو (يختلق) من أسلحة لجأ مؤخرا لاستخدام استطلاعات الرأي سواء الاسرائيلية أو الفلسطينية، والتي أظن منها ما ورد في استطلاع مركز "أوراد" الذي يرأسه د.نادر سعيد، حينما قال "نتنياهو" أثناء زيارته لمنطقة عسكرية هي (قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية) أن نسبة 75% من الفلسطينيين يرفضون خيار الدولتين، وأن 80% منهم يؤيدون عمليات الطعن بالسكين.
توظيف "نتنياهو"
إن توظيف رئيس الوزراء الاسرائيلي (نتنياهو) لنتائج الاستطلاعات بالشكل السلبي والتحريضي الذي يبتغي منه الإمعان في سياسته القاضية بالقضاء على الدولة الفلسطينية بالضربة القاضية، يأتي في أسوأ عملية توظيف للاستطلاعات، هذه الاستطلاعات التي تأتي كما يقول د. نادر سعيد لتنير الطريق أمام القيادة السياسية، ونعلم نحن أن ذلك لتفهم وتعي وتحلل وتستخلص وتستفيد، لا (لتوظفها) في خدمة سياساتها دون أي نظر في مساحات (الفهم والوعي والاستخلاص) البتة، وهذا ليس بالمستغرب عن عقلية القبضة الاسرائيلية العنيفة على عنق الفلسطيني والتي يشعلها أمثال رئيس الوزراء الاسرائيلي وطاقمه المتطرف والإرهابي من غلاة المستوطنين (1).[1]
استمعت بإمعان لحديث رئيس المركز الذي اتسم بالعلمية والرصانة فعرض النتائج كما هي، وعلّق في سياق خطابه الموضوعي، وكان لمداخلات الشباب الأثر الكبير لا سيما ان الاستطلاع كان موجها لفئة الشباب (من سن 16 – 35 سنة) ولا بأس أن نشير لحضور ممثلي أكثر من 6 فصائل فلسطينية حاول أكثرهم جاهدين الدفاع عن فصائلهم ودورها في غضبة القدس ولهم رؤيتهم في ذلك.
ما أحب أن أعرضه هنا هو وجهة نظري أو تحليلي لرؤية الشباب كما شاهدتها في الاستطلاع وفق ما طلب مني أن أعرضها تعليقا على النتائج، لذا من الممكن أن أشير أن نتائج الاستطلاع ربما لم تكن مثيرة (لنتنياهو) الاستغلالي، وإنما كانت مثيرة لي ولعدد من الحضور في الندوة إذ أنها اشتملت على عناق متناقضات على الأقل نظريا، كما أنها تعطي مؤشرات واضحة الدلالة، وتدق ناقوس الخطر أمام السلطة الوطنية الفلسطينية وأمام سلطة "حماس" المهيمنة في غزة، وفي ذات الوقت أمام كافة فصائل العمل السياسي الفلسطيني لكنها مع ذلك رسخت في خاطري أن بوابة الأمل قد فتحت على مصراعيها عبر طاقات الشباب ما لحظته ايجابيا رغم كم التوتر الواضح في الاستطلاع.
ملاحظاتي الخمس في رأي الشباب بالاستطلاع
هناك 5 ملاحظات على الاستطلاع أولها: حالة الوعي السياسي العالية والقدرة على التقييم التي لحظتها في الفئة المستهدفة أي الشباب، حيث رأى المشاركون بالاستطلاع أن مسيرة السلام فاشلة (بنسبة 37.3% وهي أعلى نسبة) وأن أثر (الهبة) محدود ولن تتطور، بل ولن تأتي بالدولة الفلسطينية كنتيجة على عكس الخطاب الفضائي التهييجي، كما أنها رأت بوضوح أن حجم المشاركة بالهبة محدود (70% قالوا ذلك) والمستطلعون أيضا أعربوا عن مقدرة على التقييم عالية، اذ لم تحظى أي من الفصائل (حركة فتح والجهاد وحماس والشعبية... ) بتقدير عالي تمثيلا لاستجابتها مع الغضبة أو الهبة (35% لحركة فتح، 31% لحماس، 37 % للجهاد، 32 % للجبهة الشعبية..).
أما الملاحظة الثانية والتي تتعانق مع الملاحظة الثالثة وسأذكرهما معا، حيث تمثل الملاحظة الثانية مظاهر لكمّ هائل من الاحباط واليأس من المستقبل بينما في الملاحظة الثالثة النقيضة ترى حجم الرفض والغضب، ودعني أذكر هنا قبل أن استطرد لحل لغز التناقض النظري أن الاستطلاع أشار الى أن:
1- حجم الفرص أمام الشباب و2- حجم مشاركتهم بالقرار و3- رؤيتهم للمستقبل رأوها كلها غير مرضية بنسبة 80% ما يضع علامة تساؤل كبرى قد يكون تحليلها الأول أنها تدلل على الاحباط واليأس لا سيما أن الغالبية ترى ان تأثيرات الانتفاضة جاءت في الحد من حركتهم وعملهم، ولكن بالتحليل الأكثر عمقا – برأيي- يعطينا زاوية نظر أخرى هي أن ما حسبناه إحباطا ويأسا مقعدا ما هو إلا تعبير حقيقي عن حالة الرفض والغضب لا سيما أن الوضع الاقتصادي للمستطلعين (75% وصفوه جيد نسبيا... 35% سيء أو سيء جدا) لم ينعكس ليقبلوا الأمر الواقع أبدا ما يدلل على الغضب والرفض، كما أن أكثر من 80% (وهنا يأتي توظيف نتنياهو السلبي للاستطلاع أو غيره) رأوا ضرورة التصدي للمستوطنين والجيش الإسرائيلي بالسكاكين أمرا مقبولا، ويأتي غضبهم واضحا (وليس يأسهم أو إحباطهم المقعد عن العمل) بتقييمهم السلبي لأداء السلطتين في رام الله وغزة والذي أدى حسب رؤيتهم لأن تصبح الانتفاضة غير قابلة للتطور (53%)، ولن تأتي بالدولة (50%) وإنها عفوية (86%) لذا فالكفاح المسلح مقبول (53.3%)، في رفض مطلق للمفاوضات (8% مع المفاوضات)، وتشكك بالوسائل اللاعنفية.
وفي ظل الرفض والغضب الذي قد يتضارب عند البعض مع مظاهر اليأس والإحباط يظهر الارتباك الشديد حين يتوه الشباب (مناصفة بالاستطلاع) في تقديرهم لمسار المجتمع أهو صحيح أم خاطي وفي نسبة تفاؤلهم بالمستقبل.
قلنا ان العقدة النظرية بين الاحباط واليأس ونقيضه أي الرفض والغضب قابلة للحل لماذا ذلك ؟ لأجيب عليه كما فعلت في الندوة حيث إن النظر لوجود أمل ولو ضئيل يتناقض مع اليأس كليا، ومن هنا فإن الاستجابة للواقع القائم وتكون واحدة من ثلاثة أشكال: أما استكانة واستسلام (ما لم أراه بالاستطلاع) أو غضب يؤدي لهبة أو لثورة عارمة وهو ما لم ألحظه أيضا، بينما كانت ملاحظتي أن الشباب اليوم (بغالبية من منظور الاستطلاع) في حالة تفاعل قد يتسارع، ولكن الأبرز منه هو حالة ترقب وانتظار ومراكمة.
من المهم أن نشير هنا لرؤية الرئيس أبومازن وتقديره للوضع في الشارع حيث قال في خطاب له موضحا أسباب الهبة الجماهيرية بالقول أن "اليأس من الاحتلال الإسرائيلي وآفاق حل الدولتين المحطمة هما اللذان دفعا بهؤلاء الشبان لفعل ما فعلوه" ما يتوافق مع الملاحظتين اللتان تحدثنا بهما.
أما الملاحظة الرابعة على استطلاع رأي الشباب: فهي مستوى التأثر والتأثير في غضبة القدس ومعدل الانخراط فيها، حيث أوضح الاستطلاع الشبابي أن الغالبية تتابع (70%) لكن المساهم فيهم اعلاميا وبفعالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي (20%) ما يؤكد بوجهة نظري التفاعل في اطار حالة الترقب والتراكم الممزوجة بالغضب من الواقع الفاسد والرغبة الكامنة (المؤجلة) في التغيير.
فشل الفصائل
أما في النقطة الخامسة التي لحظتها فهي أن الشباب الفلسطيني يستجيب ويتفاعل ويترقب لذا هو وإن أقر بمحدودية الانخراط بالانتفاضة، إلا أنه متابع لها ويراكم في اطار بحثه عن ذاته وعن الدور، وإن لم يجد طريقة الواضح حتى الآن ما لم يحصد الأمل لديه وإن وقع في دائرة الارتباك، وهنا بالضبط تقع المسؤولية على السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى الفصائل جميعا التي باعتقادي أفسدت الهواء الذي يتنفسه الشباب وفشلت في جذب القطاع الواسع فيهم (حسب التقديرات الاسرائيلية فإن حجم المشاركة الميدانية الشبابية الفاعلة 600 شاب قد تتطور الى 6000 فقط ) رغم أن قيادة غضبة القدس الميدانية ولا شك لدي هي من حركة "فتح" أساسا ومن "الجهاد" و"الشعبية" و"حماس" والتنظيمات الأخرى.
إن البركان الفلسطيني الشبابي ليس خامدا، بل هو يتأهب للثوران ما يحتاج منا في التنظيمات السياسية لأن ننتبه بوضوح لفشلنا في استقطاب الشرائح الواسعة من الطلاب، وأن ننتبه لعدم قدرتنا على التأثير في الشباب سواء في تغيير النظرة والفكرة لديهم أو في تقديم قيادات ملهمة، أو في حجم إشراكهم في صنع القرار، ومن هنا فإن افتقاد النموذج القدوة يعني أننا لا نعطي الأمل الذي يصنعه الشباب بأيديهم هم فقط من على منصة الغضب.
أين القدوة والأمل في الاختلاف؟
دعوني استطرد هنا لأظهر لماذا نحن غير قادرين بالقدر الكافي كفصائل عامة على جذب النطاق الأوسع من الشباب الفلسطيني (هل نقول والعربي أيضا؟) وارتباطا بالاستطلاع وبالهبة الشعبية القائمة.
نحن نختلف في كل شيء فكيف لهم أن يتبعونا ويقتدوا بنا ويروا فينا الأمل فنحن نختلف ما بين هبة أو غضبة أو انتفاضة، بل دعوني أحدد عدة محاور اختلاف بالاحتجاجات الحالية كما اسماها الاستطلاع وهي: خلاف التسمية، وخلاف الأداة الناجعة، وخلاف طريقة النظر والمأمول، وخلاف السيطرة والتحكم والتنظيم للهبة.
ففي خلاف الاسم (التسمية) نراوح بين هبة وغضبة وهو طرح حركة فتح والفصائل، وما بين انتفاضة ما يتبناه فصيل "حماس" ثم "الجهاد" ولكل رأيه الوجيه بذلك، ما استدعى من الرئيس أبو مازن في أحد خطاباته لأن يسميها (الهبة الغاضبة) وفي خلاف الأداة لدينا 3 انتفاضات!الأولى: ذات الطابع السلمي بالمواجهات في كل مكان وبالمقاطعة وذات الامتداد مع المقاومة الشعبية من العام 2005 وهو سعي حركة "فتح" وفصائل المنظمة، وهناك انتفاضة السكاكين والدهس وهي بلا أب مطلقا حتى الآن، وهنا انتفاضة الفضائيات التي تحرض على مجابهة خاسرة حتما أي بين "جيش السلطة" والجيش الصهيوني مع تحييد قطاع غزة كليا.
وفي خلاف بداية الأحداث أو الرواية ترى حركة فتح أن خطاب الرئيس أبو مازن في شهر 10 أعطى الضوء الأخضر للحراك وما أثبته الميدان بعدد الشهداء من حركة "فتح"، بينما تراه "الجهاد" منذ استشهاد مهند الحلبي إثر عملية الطعن بالسكاكين التي قام بها، وتراه "حماس" من بداية عملية بيت فوريك-نابلس (ضد عائلة مستوطنين قرب قرية بيت فوريك، ومستوطنة إيتمار ويتسهار اللتين تضمان غلاة المتطرفين)، وكان لزاما علينا إن نلحظ تكرار الإشارة لأصل النار منذ حرق محمد أبو خضير في 2/7/2014 أي قبل عام، ثم عائلة الدوابشة وما يحصل في مستوطنات نابلس والخليل، ثم النظر في مدلولات استشهاد زياد أبو عين والتواصل.
أما في طريقة النظر وهو الخلاف الرابع على الهبّة فالبعض يريدها هبة محدودة ومنضبطة وقابلة للاستخدام والاستثمار، والبعض يراها عفوية وتتطور ودوره فيها كفصيل هو النفخ في الشباب لعلهم ينقذون الفصائل من كبوتها، أما النظرة الثالثة فتحبذ أن تكون انتفاضة منفلتة تطيح بالإسرائيلي وإن لم تتمكن – ولن تتمكن – فعلى الأقل تطيح بالسلطة الوطنية الفلسطينية.
وفي الخلاف الخامس وهو خلاف (التنظيم) للانتفاضة أو #غضبة_القدس لا نرى بوضوح أن الايدي ممدودة للتبني أو اعلان الاحتضان المادي والميداني الكامل، وفي اعتقادي أصاب د. نادر سعيد عندما رأي في التبني معنى عميق هو تحمل تكاليف ومخاطر ونتائج هذا التبني، ما لا ترغب به برأيي لا "حماس" التي تهيمن على غزة، ولا حركة فتح ومن الممكن الاضافة أن غضبة القدس ما بين الامكانية والرغبة إن كان لها أن تتوسع لتصبح انتفاضة فإنها تحتاج لامتداد شرائحي سكاني (ليس الشباب فقط) ولامتداد جغرافي وليس في نقاط التماس فقط، ولامتداد زمني أي ليس يومين في الاسبوع ولساعات، وتحتاج لتوافق وطني على البرنامج والأداة والخطاب، والذي كله ما زال في باب الأمنيات.
يمعن الاحتلال بسياسات الاستيطان بلا رادع، وينجح في تقسيم المسجد الأقصى زمانيا ما تم وانقضى، ويوغل في القتل والاعتقال بلا وازع، وقام الاحتلال الاسرائيلي أيضا برفع دعوات على العديد من نشطاء التواصل الالكتروني وقام بإغلاق عدد من الإذاعات المحلية في الخليل، وقام أيضا في إطار حرب "نتنياهو" في عديد الجبهات على إغلاق "تجمع شباب ضد الاستيطان" فهل يتوسع ليغلق مؤسسات أخرى؟ قد تدعو مؤسسات أمثال مراكز الاستطلاع لأن تتحسس رأسها؟
لعلي استفدت كثيرا فيما كتبته من جو النقاش الثري في ندوة مركز (أوراد) في مدينة رام الله، ومن خلاصات الاستطلاع الذي تعمد (نتنياهو) الاستناد إليه أو لغيره في التحريض بدلا من أن يفكر، ونفكر نحن معه مرة ومرتين، ومرارا لنعيد ترتيب أولوياتنا السياسية والوطنية والتي على رأسها النظر بمحبة وتقدير ومشاركة أوسع لهذه الطاقات الشبابية العظيمة.
------
هامش: [1] تظهر دراسة بعنوان «تقرير الكراهية» لصندوق "بيرل كتسنلسون" ارتفاع منسوب العنصرية والتحريض بنسبة 20٪ في (إسرائيل) وارتفاع الدعوات للعنف بنسبة 40٪ خلال العام الموشك على الانتهاء. ومنذ بدء العام رصدت 3.5 مليون مقولة عدوانية وعنصرية وتحريضية بالعبرية خلال 2015 أي 300 ألف مقولة بالشهر.وتشمل هذه المقولات دعوات للقتل والحرق.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل