أمومة أم كرامة؟
سما حسن
لا شيء من مشاعرنا يعلو فوق احساس الأمومة، وقال جاري العجوز قبل حوالي ربع قرن مقولة أبدية تتناقلها الأجيال: المرأة تتحمل كل عيوب زوجها من أجل أولادها، ولست أدري وقتها هل كانت مقولته تلك لكي تكون دعوة للصبر على الأزواج ونزقهم وطيشهم ونزواتهم، أم عرفانا بجميل المرأة التي تصبح أما وتمتلك مقومات الأمومة التي من أولها الحياة من أجل الصغار قبل كل شيء.
قالت لي بعينين دامعتين: تخيلي أنك تعلقين بروازا جميلا في صالة بيتك، ثم فجأة تأتي صديقة وترفعه من مكانه وتحمله وتخرج به أمام ناظريك، كيف تتصرفين وقتها؟
لم افهم شيئا من مغزى كلامها ولكنها شرحت لي بالكثير من الدموع والصوت المتحشرج والمخاط عينه الذي يسيل رائقا من الأنف بسبب الافراط في البكاء: رضيت أن أتزوجه وهو يحمل دبلوماً متوسطاً وأنا جامعية، كنت اعرف أني متوسطة الجمال وهو يمتاز بالوسامة، ولكني قررت أن أجعله يكبر من أجل البيت والعائلة ولا يكتفي بشهادة متوسطة ولا العمل كعامل بناء، منحته كل شيء ليفتتح شركة صغيرة وشجعته ليكمل تعليمه، وخلال سنوات أصبح لدي اربعة أطفال, اصبح هو يحمل شهادة جامعية عليا مع شركة ناجحة سرعان ما زادت استثماراتها واتسع صيتها وذاعت شهرتها.
تحول من عامل بناء يأخذ أجرة يومية إلى رجل أعمال، وكثرت علاقاته وتعددت سفرياته قبل حصار غزة، وبدأ يعنى بتصفيفة شعره أكثر وينثر العطر الفرنسي بكمية مضاعفة عن السابق قبل خروجه من البيت، ويغيب طويلا والفرحة تغمرني بأن لدي زوجا ناجحا وأبا حنونا.
لم أكن أعلم أنه قد وضع حدا لحياتي معه، وبأنه اختار أخرى ليتزوجها، اختار واحدة اقل مني في التعليم والمنصب، وتفوقني جمالا، ولم تمنحه شيئا ولكنه سار كالأعمى خلفها ليشعر بشعور المتفوق أمامها، وانا التي لم تشعره يوما بالنقص أو التفوق عليه، ولكنه لم يكن يشعر معي بالسعادة التي يريدها، أو التفوق الذكوري الذي يتمناه، وهكذا تركني بسهولة بعد أن حقق كل ما يمكن أن يغري به أي امرأة أخرى.
لم أحتمل ان أكون الزوجة الاولى، ولم أحتمل أن أعيش معه لأني ام الأولاد فقط فقررت أن أطلب منه الطلاق وحدث ذلك رغم ضغوط من جهات عدة لكي أبقى في البيت من أجل أولادي، ولكن شعوري بامتهان الكرامة كان أكبر حتى من شعوري بالأمومة، شعوري بالخيانة والغدر كان أكبر من أي تفكير وهكذا انتصرت لنفسي الممزقة والمحطمة والمعذبة.
حصلت على الطلاق، لأني انسانة قبل كل شيء، لم افكر بالزواج الثانية، وعشت لنفسي ولعملي وصديقاتي، واكتفيت بأن أكون أما من بعيد لأن أولادي سيكبرون يوما وسيعرفون أنني انسانة وسيقدرون شعوري بالخذلان من انسان اعطيته كل شيء وأنكر كل شيء.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل