ماكرون أو لوبان.. من سيحكم فرنسا للسنوات المقبلة؟
باسم برهوم

كما كان متوقعا، انتقل كل من الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون (وسط)، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، إلى المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستجرى في 24 نيسان/ أبريل الجاري، فقد حصل ماكرون على 28.1% أما لوبان فقد حصلت على 23.3%.
أما مفاجأة الدورة الأولى فكان مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلنشون الذي حصل على 20.1%، ومرشح حزب الاسترداد أقصى اليمين ايريك زمور الذي حصل على.7.2% وحل رابعا.
المنافسة في الدورة الثانية ستكون قوية جدا، وكما يقال باللغة الإنجليزية "nick to nick"، فكلا المرشحين سيحتاج لكل صوت. في انتخابات عام 2017 صوت الفرنسيون لماكرون، ليس لشخصه وإنما لأنهم لا يريدون التصويت لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان..فهل سيتكرر السيناريو؟
في الواقع إن مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلنشون ستكون كلمته هي الفصل في الدورة الثانية، فهو بهذا المعنى ملك الانتخابات في 24 من الشهر الجاري. ميلنشون سيكون من الصعب عليه مطالبة أنصاره بالتصويت للوبان، فهما على طرفي نقيض من الخارطة السياسية في فرنسا، ومع ذلك فإنه هو وأنصاره غير راضين عن أداء ماكرون، الذي في نظرهم قد خان أصواتهم عندما ذهب بعيدا في لبرلة الاقتصاد. أما أصوات مرشح أقصى اليمين زمور، المعروف بعدائه الشديد للمهاجرين، خاصة المهاحرين من الجزائر، فهو من المؤكد سيمنح دعمه لمارين لوبان.
وهناك أحزاب أقل حجما، مثل حزب الجمهوريين (5%)، الذي ستتوزع أصواتهم على المرشحين، وهناك أصوات الحزب الشيوعي، والحزب الاشتراكي اللذان تحولا إلى حزبين صغيرين، بالإضافة إلى أحزاب صغيرة أخرى، فعلى الأغلب ستذهب أصواتهم إلى ماكرون، لكن جميعهم لن يجلب للرئيس الفرنسي النصر، فهو سيبقى بحاجة لأصوات اليسار الراديكالي.
لقد أكدت انتخابات الرئاسة الحالية، أن الخارطة السياسية التي عرفها العالم على امتداد عقود منذ خمسينيات القرن العشرين قد تلاشت ولم تعد موجودة، فقد أصبح الكبار، الجمهوريون (الديغوليون)، والاشتراكيون والشيوعيون، صغارا وتأثيرهم قد تراجع. وحلت محلهم أحزاب جديدة، تحمل الألوان السياسية والأيديولوجية ذاتها، بمعنى يسار ويمين ووسط ويمين ويسار متطرف، ولكن بطعم وطبيعة مختلفة تلائم المتغيرات، تلائم شكل فرنسا والعالم في هذا الزمن.
ماكرون، الذي يمثل وسط الخارطة، مع فرنسا الدولة القائدة في الاتحاد الأوروبي، فهو من داعمي الاتحاد بعكس لوبان التي تدعو إلى الخروج من الاتحاد على غرار ما فعلت بريطانيا. وبالطبع هناك الفوارق المتعلقة بالمهاجرين، حيث تدعو مارين لوبان إلى تقييدها، في حين يتبنى ماكرون سياسة أكثر تساهلا مع المهاجرين.
ولعل النقطة الرئيسية التي أسهمت في تحسين فرص مرشحة اليمين المتطرف، لوبان، في الأسابيع الاخيرة، هو تركيزها على مستوى المعيشة، والغلاء. ولكن بالمقابل حقق ماكرون إنجازات مهمة خاصة في الحد من البطالة وانتعاش الاقتصاد، وعلى الصعيد الأوروبي فرنسا تحتل مكانة قيادية في الاتحاد الأوروبي.
الانتخابات في الدورة الثانية ستتواجه رؤيتان متناقضتان تماما بخصوص هوية فرنسا، هل فرنسا تبقى بلد الانفتاح والثقافة الانسانية، كما يريدها ماكرون ومناصروه، أم فرنسا القومية المتعصبة الانعزالية، كما يريدها اليمين المتطرف، بين فرنسا كجزء من أوروبا من الاتحاد الأوروبي، إن فرنسا التي تنأى بنفسها كما فعلت بريطانيا في Brext.
المنطق وتاريخ فرنسا الحديث، منذ الثورة الفرنسية، يقول إن حظوظ ماكرون تبقى الأقوى في الدورة الثانية، فالشعب الفرنسي غالبا ما يختار الخطاب السياسي المعتدل، يختار الانفتاح، ويختار الخطاب الذي يضع فرنسا قوية في أوروبا قوية. مع ذلك علينا أن ننتظر لنرى، بعد أقل من أسبوعين من الآن، من سيحكم فرنسا للسنوات الخمس المقبلة.