تَصالحٌ مؤقّت مع الذّات!
مؤيد قاسم الديك

لستُ شيخًا، ولا فقيهًا يغرف من علوم الدّين، ولكنّني أفهم أنّ الدّين احترام وسلوك وقِيم، تقودنا إلى المعنى الأوسع وهو الأخلاق.
الصّيام ليس تبطّلًا ولا مبالغة في الأكل، أو التبذير، بل هو ركوب لدابّة الجسد كي تكدح في العمل، وفعل الطاعات.
رمضان هو انقطاع العبد، وخلوته بربّه، في ظُلمة اللّيل، بحثًا عن نور الطّمأنينة، وجلاء الرّيبة، وليس شهر عادات من التّرفيه والتُّخمة، والشّهوة، وثقافة أدمنّاها حتّى أفقدنا الصّوم مضمونه!
رمضان سجود صادق، وخلع لِنَعْليّ الدّنيا، لتصبح خلفك، وقد تجرّدت المشاعر من لذّتها وغوايتها، وصفا القلب وخلا من الضّغينة والحقد والانتقام، وأكل أموال النّاس بالباطل، والتّوقّف عن نهش أعراضها، وغير رافض ولا ساخط، ولا متبرّم أو يائس.
رمضان رسالة سلام مع النّفس، فالّذي يعيش سلامًا مع نفسه لا يستطيع أن يكره أو يحقد؛ لأنّ كره الآخرين، والحقد عليهم يتولّد من كُره النّفس لذاتها.
رمضان إقبال على فعل الخير، بل استمرار للخير، الذي يجب ألّا ينقطع؛ فليس للخير مواسم أو فصول، بل فيه نستجمع ثمار فعلنا، وشفاعة أملنا، بالعمل الصادق، وهنا يكون للسّجدة التّحقّق، ويُقرّ الاقتراب(اسجد واقترب).
إنّ قُدسية هذا الشّهر لا تكون بالامتناع عن الأكل والشّرب، بل تكمن في مفهوم الاحترام، الّذي تُبنى على أسسه أخلاق الأمم.
وهنا يحضرني أن بعض الولايات الأميركية قد أقرّت قانونًا يمنع بيع الخمور في ليلة الميلاد، ميلاد السّيد المسيح- عليه السّلام- احترامًا لقدسيّة هذا اليوم، بعيدًا عن الحلال والحرام، ليكون هذا الفعل احترامًا لميلاد كلمة الله. فالاحترام ثيمة اجتماعيّة، يجب الحفاظ عليها؛ ففقدانها يعني فقدان العبد كلَّ شيء.
يزورنا رمضان ونحن ما زلنا نشوّه صورة المرأة، ونتّهمها بالنّقوص، وننظر إليها كشريكة فراش، وجارية ودُمية، لا شريكة عُمر، تقاسمنا تعب الحياة وشقاءها، فنحرم بناتنا من الميراث، ونمطل زوجاتنا حقوقهنّ، ونمطر أمّهاتنا بالعقوق، ونسير على ملّة أهل الشّر، إلا قليلًا من المخلصين، ونتناسى أن المرأة سكن ومودّة ورحمة، وسند مُعين، وناصح أمين، فلا نظفر بنظرة أهل الخير، الذي هو ملّتهم!
في رمضان نتذكّر أنّ هناك فقرًا، تعانيه عائلات مستورة، ونتناسى صدق عمر بن عبد العزيز في دعوته، الخليفة الّذي مات ولمّا يتجاوز الأربعين: " اشتروا قمحًا، وانثروه على رؤوس الجبال، حتّى لا يُقال: جاع طير في بلاد المسلمين". وكان هذا بعد قتله الفقر، وحرصه على بناء مجتمع متماسك، وتزويجه الشّباب، وقضاء الدّيْن عن المدينين من أهل البلاد، من المسلمين والمسيحيين واليهود.
وفي رمضان يصحو الضّمير، لنتذكّر تلك البيوت المستورة، ونقتلها طوال العام!
في رمضان نحاول ختم القرآن، ونتذكّر أخواتنا، وعمّاتنا، وخالاتنا، وأرحامنا!
في رمضان نتسابق إلى المساجد، لعلّنا نكون في الصّفوف الأولى!
بعد رمضان بيوم واحد، نعود سيرتنا الأولى؛ فلا عمّة نطرق بابها، ولا أخت تحصل على حقّها في ميراث أبيها، ولا قرآن قرأناه، يفيدنا في حفظ حقوق الناس، ولا مساجد تشهد على سلوكنا تجاه الله أو الذّات!
وكأنّ شهر رمضان تصالح مؤقّت مع الحياة، ثمّ عودة طويلة إلى حضن الشّيطان، وسياقات الحقد، والكُره، وأكل الحقوق، والعقوق!
رمضان ليس إشباعًا للغريزة، ببعض العادات، ثم التّخلّي عن متون الدّين! فما فائدة أن نقرأ القرآن، ونختمه، ستّ مرات، ونحن نقاطع أخواتنا، ونحرمهنّ حقّهن، الّذي مررتَ عليه مرّات ومرات في قراءاتك الكثيرة؟!
العبادات، قبل أن تكون طقوسًا، نمارسها في هياكل خاوية، وهي أقرب ما تكون إلى مناسبات اجتماعيّة، هي سلوك يوميّ، تجاه الحياة، وشعور حقيقي بمَن حولك أيّها الرّاكض إلى الصفّ الأوّل في الصّلاة.