عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 آذار 2022

..سياجه نور!

تغريدة الصباح- حسن حميد

أعترف، بأنني اغتنيتُ، معنىً ومبنىً ومغنىً، بهذا الكتاب الثقيل معرفةً، الشارق ضوءاً، والأثيل الحافظ للنائيات من الجمال المشتهى، أعني كتاب بلاغة العتابا الفلسطينية/ العتابا في ميزان النقد، لمؤلفه د. مفيد عرقوب، وقد قرأته عبر قفزات عدة، لأنه كتاب يحتاج إلى  طاقة وافرة، وذهن صافٍ، وصبر جميل، وقد ظننته في البداية كتاباً يتقفّى دروب الآخرين الذين كتبوا عن التراث الشعبي ، فاكتفوا بالجمع، والتوصيف، وتنسيب كل تراث شعبي إلى أمكنته وأهله، أي عدم الغوص في لباباته لاستكناه المستبطنات الكامنة فيه، فظلّ صنيعهم صنيع من سمع فدوّن، أو من رأى فوصّف!

هذا الكتاب (بلاغة العتابا الفلسطينية / العتابا في ميزان النقد) كتاب فيه جمع لأشعار العتابا، وتوصيف وتنسيب، ولكن فيه الغوص في جوانية هذه الأشعار لتقعيد جمالياتها، لأنها لا تقل أهمية عن الشعر الفصيح، كما لا تقل وزناً نوعياً عنه حين ينظر المرء إلى حواملها المعرفية، ولا تقل عنه بما اشتملت عليه من جمال ساحر نفّاذ إلى العقول والقلوب معاً، إنه كتاب لمفاعيل النقد الذي ينظر إلى العتابا بوصفها فناً شعرياً يقوم على ما يقوم عليه الشعر من لغة، وجمال، وبحور، وقواف، وبلاغة، ففي العتابا المعاني والألفاظ، وما تحتاجان إليه من سبك وحبك، وفيها أيضاً الوزن على البحر الوافر ( مفاعلة مفاعلة فعولن) وفيها قواف ثلاث، أما الجمال والسحر والدهشة فهي متروكة لفحولة الشاعر وثقافته وحذق أدواته.

هذا الكتاب البادي في حوالي (300) صفحة من الحجم الكبير مطبوع في مدينة رام الله، وصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتّاب الفلسطينيين، وله مقدمات ثلاث، اثنتان تقرظان ما فيه من ثقافة وافية، وتعب عميم، وروح فنية طوّافة، وأكاديمية، رزينة وازنة، الأولى للشاعر مراد السوداني، أمين الاتحاد، والثانية للدكتور حسين أبو كتة الدراويش، أستاذ الإعجاز القرآني والبلاغة العربية، والثالثة للمؤلف، وكلها حاولت أن تصنع جسراً معرفياً للقارئ كي يعبر نحو هذا الكتاب المخيف حقاً بما فيه من جمال، وثقافة، وهندسة معمارية تليق فعلاً بكلمة البلاغة العربية التي كُتبت الكتبُ الكثيرة عنها كي تشرح معانيها.

ما كنتُ أعرف د.مفيد عرقوب، ولم أقرأ له من كتبه كتاباً، المصادفةُ وحدها، وفي أثناء زيارته إلى دمشق مع رفاق أكاديميين له، عرّفتني إليه، هو شخص هادئ، لكن في داخله مراجل ثقافية تغلي بحق، فهو مثقف يعرف أسرارالنثر والشعر معاً، كما يعرف ما أعطته الأساطير من أسرار عوالم الكون مناولةً بسلال التاريخ مرة، وبسلال المعرفة مرة، وبسلال الآداب مرة ثالثة، كما أنه يعرف جذور التراث ورواسيه، وما تختزنه تضاعيفُ كتب التراث من أصالة متعددة الصفات: من التاريخ والمعرفة إلى الحضارة، ولأنه فلسطيني اكتوى بنار ظلموت العدو النقيض، فهو يمضي إلى توثيق الرواية الفلسطينية التي تتحدث عن المكان والتاريخ والأعلام والمواسم وموجات القهر التي سبقت حالات الظلموت الراهنة، وكيف جوبهت هذه الموجات القهرية بالعلم، والآداب والفنون، وحراثة الأرض وزراعتها، وبناء الجسور والقناطر والبوابات لتصير القرى والمدن أكثر تعبيرية وهي تخادن معاني العمران الباذخة.

هذا الكتاب الذي كرمني به د.مفيد عرقوب، كتاب جديد بحق في مادته، وقولاته، وسرديته، وبنائه اللغوي المتين، وفي نتائجه التي تحقّب لهذا الحقل التراثي الغني، فهو استبطان لمشفوهات العتابا التي سبقت مرحلة التدوين والكتابة بآلاف السنين، وهي مشفوهات تتحدث عن الفلسطينيين، أهل العمران، وهم في تجليات حياتهم التي عمرها من عمر البشرية، فأسماء المدن والقرى والأنهار والتلال والجبال والبحيرات والبحار، مذكورة وقد أنسنتها يد الإنسان وخلصتها من مرحلة العماء والضبابية، وكذلك المواسم، والفصول، والأعياد، والمناسبات وطقوس الحياة كلها مذكورة لكي تؤسس لمجتمع عمراني أعطى معاني الفرح للحياة.

هذا الكتاب طاقة معرفية هائلة في الدفاع عن تاريخية البلاد الفلسطينية العزيزة وعلو شأنها، ومناددتها للثقافات التي عرفتها حواضر البحر الأبيض المتوسط، كما أنه جهة للتعريف بالعلم الغزير الذي يتحلى به د.مفيد عرقوب الذي ينتسب إلى سلالة علماء فلسطين الذين ما ارتضوا إلا بالنور سياجاً ضافياً لمؤلفاتهم الباذخة.

[email protected]