تجربة
عبد السلام العابد
للتجارب الحياتية الأولى دروسٌ وعبر وفوائد كبيرة، لا تمّحي من الذاكرة، وحينما أعود سنواتٍ طويلة إلى الماضي، أبتسم، وأنا أستعيد هذه المواقف والمشاهد والذكريات. أذكر أنني كنت شابا في الرابعة والعشرين من عمري، عندما سافرت إلى إحدى دول الخليج؛ لأعمل معلما في إحدى المدارس المتميزة هناك. وذات يوم، جاءني رئيس القسم المسؤول، وقال لي: أريد منك أن تكتب بخطك الجميل هذه القطعة النثرية؛ على أن أمليها عليك!!. أجبته ببراءة: ولماذا لا نصورها على آلة التصوير، ونوزعها؟. قال بذكاء: أريد أن أرى خطك الجميل!. أمسكت بالقلم، وبدأت أكتب على الصفحة البيضاء ما يمليه عليّ من كلمات وسطور. وبعد الانتهاء من الكتابة، ابتسم المسؤول وقال: ما شاء الله!!. خطك جميل، وإملاؤك سليم، وفقراتك مرتبة، أشكرك. لم أدرك، في ذلك الوقت، أن هدفه هو الاطمئنان على مدى قدرة المعلم الشاب الجديد، على امتلاك مهارات التربية والتعليم. وبعد أن اطمأنّ، صارحني بقوله: للأسف، هناك أشخاص يحملون شهادات جامعية، ويخطئون أخطاء لغوية كثيرة.
وبعد أيام، جاءني المسؤول نفسُه، وقال: غدا عندك مقابلة مهمة، مع المسؤول الكبير في مقر الإدارة العام. اعترتني حالة من التوتر والقلق، ولم أستطع النوم، طوال تلك الليلة. ترى، ما الأسئلة التي سيوجهها لي المسؤول الكبير؟ وكيف سأجيب عن أسئلته الغامضة؟. هل سيوصي بعدم الاستمرار في تعييني مدرسا؟!. أم أن الأمور ستسير على ما يُرام؟.
مرّ الليل بطيئا، وأقبل الصباح، وذهبت في الموعد المحدد؛ للمقابلة، وانتظرت. وكنت أشجع نفسي بالقول: لماذا تقلق؟ ولماذا لا تثق بثقافتك ومعلوماتك التي اكتسبتها، منذ طفولتك وشبابك، ودراستك الجامعية؟. لقد كنت تمضي أغلب وقتك، في قراءة الكتب والصحف والمجلات، بل إنك كنت تكتب القصص والمقالات والخواطر، وتنشرها في الصحافة!!. تشجع أيها الفتى الريفيّ، وأدِّ مقابلتك، بروح من الأمل والتفاؤل.
وفجأة، قطع حبلَ أفكاري شخصٌ يناديني باسمي، ويطلب مني الدخول؛ للمقابلة. دخلت غرفة المسؤول الكبير، وطرحت السلام، فردّ علي السلام بأحسن منه، وقام من مقعده، وشدّ على يدي باسما ومرحبا، وطالبا مني التفضل بالجلوس، على المقعد المقابل. شكرته، وتأملته. إنه رجل مهندم، ترتاح إليه النفس، ويأسرك بإنسانيته ولطفه، وحسن معاملته. ابتعدت عني الأحاسيس السلبية كلها، وأجبته عن أسئلته، بسلاسة وثقة واطمئنان، وبلغة عربية سليمة ومشرقة، اكتسبتها من حبي للغة، وتعمقي في قراءة أدبها الراقي. كان ينظر إليّ بإعجاب وانشراح، لا سيما وأنا أحدثه عن وطني الحبيب. وفي نهاية المقابلة، ابتسم ابتسامة عريضة، وشدّ على يدي، وقال: أحسنت يا بنيّ، هذا ما نريده من المعلم، أن يمتلك ثروة لغوية، وثقافة عامة، ويتقن قواعد اللغة، وأن يطبقها في حديثه وشرحه، ومعاملته مع الآخرين. شكرته، وودعته، وأنا في سعادة غامرة، وثقة عالية. وحينما عدت إلى مدرستي، في اليوم التالي، كانت نتيجة المقابلة قد وصلت إلى مسؤولي المباشر، حيث ربت على كتفيّ، وقال: أهنئك على اجتياز المقابلة بجدارة، أتمنى لك دوام النجاح والتقدم، ونحن سعداء بانضمامك للعمل في مؤسستنا.
هذه التجربة السارة الناجحة، سهّلت علي كثيرا، وجعلتني أجتاز مقابلات وظيفية ناجحة أخرى، دون خوف أو توتر أو قلق.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل