لكنك كنت تبدع في الرقص
هادي جلو مرعي*

جلست إلى نفسي، وكنت بعيدا بعض الشيء عن الناس الذين يشاركونني المكان، لا أدري لم فكرت في أن الإنسان قد يتحول إلى منافق كبير، وهو حر في قبول ذلك لنفسه، أو أن يتجنب أن يوصم بذلك حفظا لكرامته ومبادئه التي تمنعه من أن يكون على رؤية وفكر يتقلبان به حسب الهوى والمصلحة، وسألت الرجل الطيب الذي بجانبي، وقلت: حين نقدم دعمنا لقضية ما، ونعدها إنسانية، وتستحق المساندة، وهناك آخرون على مرتبة ورفعة منزلة لهم رأي آخر، بل ويظنون أن القضية عبء عليهم، ويريدون التخلص منه، وحصل أن قدم لنا هولاء دعوة على العشاء، وتحدثوا سلبا عن القضية وأكرمونا، وطلبوا مساندتنا في نقدها مع أننا كنا بالأمس من مناصريها، ترى كيف كنا سنتصرف، وما هو الرأي الذي نبديه؟ هل نتحلى بالشجاعة ونقول: نعتذر عن مساندتك أيها الكبير لأننا أعلنا بالأمس مساندتنا لتلك القضية التي تستهجنها أنت، ولن نتراجع عن موقفنا، ولن ينفعك عشاؤك، ولا هداياك، أم أننا سنؤيد على الفور، ونعلن رضانا بما يقول، وبموقفه؟
كثر سيؤيدون لأنهم مع القوي، ولا يعنيهم الضعيف في شيء، وقد يبدون تعاطفا معه لكنهم في أفعالهم يكونون مع الأقوى، ويلحقون به أين يذهب، ويفعلون مايريد، وحتى قبل أن يريد، وقد نقل أحدهم حكاية عن رجل له كلمة تسمع وقبول عند حاكم، وقد كان وجيها ويشفع عنده لمن له حاجة، وقد دخل أحدهم في يوم إلى مجلس ذلك الحاكم، ورأى الرجل الوجيه وهو يرقص، فتعجب من حاله، وحين عاد ولقيه في اليوم التالي طلب الوجيه من الرجل ألا يتحدث إلى العامة بما رآه لكي لا يقدح بمنزلته، وإنه كان مكرها، وقد أجبره الحاكم المغرور على الرقص، ووعده ألا يفعل، لكنه أردف، ولكنك كنت ترقص بطريقة رائعة، وكنت مبدعا في الرقص! والمعنى أن الرجل قبل عذره، ولكنه تساءل: إذا كنت مجبرا، فيجدر بك أن ترقص ببرود، وليس بإبداع، وكأنك سعيد بهذا الإجبار.
يعتذر معظم الذين يقدمون تنازلات كبرى، ويؤذون الآخرين أنهم كانوا مكرهين على ذلك، حتى في تحالفاتهم، وقد تتسبب التنازلات الناتجة عن الضغوط بتدمير شعوب وإنهاكها، والتسبب بمعاناة صادمة يدفع الضعفاء ثمنها، ويكسب الأقوياء منها كما يشاءون، فليس من المقبول أن نتحول إلى مساندين للذين يمارسون الظلم، ونروج لهم، وندعو للتعاطف معهم برغم كل ما يمارسونه من أدوار سيئة، وبرغم أننا نعيش إلى جانب الذين يتعرضون للأذى، لكن لا يوجد مطلقا ما يبرر ذلك السلوك، وعلينا أن نكون مخلصين لإنسانيتنا، فلا يمكن أن نقول للشيطان: إنك ملاك.
----------
* كاتب عراقي