عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 آذار 2022

الطيب عبد الرحيم ... فقدان الاستثناء

​سعيد أحمد

لم تكن حركة فتح سوى تلك الدلالة على عمق ميلاد خط سير لأجيال سابقة ولاحقة تسعى لتكريس انعكاس وجدانها بالوطنية والهوية الفلسطينية العميقة، الممتدة على مساحة الزمان وجغرافيا المكان الواهب للأرض قيمتها ومعناها، فلسطين الحيز والراية والحرية والدلالة، ولهذا قدمت فتح في قيادتها نخبة معبرة وواصلة لمعنى ارتباط الفلسطيني بالأرض والمكانة والتاريخ، فتقدمت صفوفها قيادة تحمل الفكرة وتصون الراية وتمتد لأبعد من المكان، فقيادة تؤمن بضرورة وجود شكل جديد لثورة تمتاز باختلافها عن كل الثورات لا بد لها وأن تحتفظ لنفسها بقيادة استثنائية في التطلع والعمل والقيادة.

فكان جيل المؤسسين من أنجبوا الفكرة بفتح الثورة ليجمعوا بها بين التاريخ والحاضر وحلم المستقبل المصوغ في وعيهم، ويحمل الراية معهم جيل آخر من المتقدمين باندفاع الحاجة لمراحل لا تقبل التراخي والغفلة، فعكست تلك المرحلة نضارة الشغف لحمل هذه الراية فكان الطيب عبد الرحيم ذو طيب الحمل وعناد الإمساك بكل ما يجعل من اللحظة أمدا لقصر عمر الاحتلال وحيزا للقاء دافئ بدفء دماء الشهداء ونصاعة الحلم الذي اتقد من بين مساحات الشتات واللجوء قسرا وجبرا لأجيال من فلسطين الحاضرة والحضور، إلى أجيال تؤمن بالقدرة والضرورة لزرع كل فعل يمكنه دحر الاحتلال واستقدام نور تلك الحرية المشتهاة المعلقة على متاريس الواقع المتشابك والمرتبك.

لم يكن الطيب ذو طيب الحضور غائبا عن كل ما يمكنه من تكريس نضارة الحلم، بل كان شمعة النور التي جمعت كل ما يمكنه أن ينسج من الصلابة والقوة التي تقي حركة فتح من كل وهن قد تتعرض له في مسار الوصول إلى حلم الحرية والاستقلال، لم يكن الطيب بكل ما له سوى ذلك المحمول وفي بعض منه على إرث قصيدة عبرت عن موروثه الشخصي الذي أكسبه متن العناد والصلابة والرقة اللافحة والرأي المولود من رحم وصايا الشهداء وفرسان الاشتباك، قصيدة جسدت بروحه ونفسه وسلوكه أنه من نخبة الفعل المؤمن والشاهد الفاعل والمتصدر المتفائل، فتصدر تفاصيل كل ما يجعل من قصيدة والده (قصيدة الشهيد) دربا يحفزه للإمساك بالراية للعبور بها إمساكا وحضورا إلى حيز القرار المؤثر والحاني على جمر الصمود في ظل اختلال الموازين واكتظاظ المؤامرت وتبدل المعايير، عابرا بعناد الوصي المؤتمن إلى حيث البصيص المبثوث من كلمات الشهداء ووداعهم للحياة بالشغف والحنين.

وإن الاستثناء في معركة استثنائية حتما لن يقبل أن تكون في قيادته سوى قيادة الصفوة الاستثنائية القادرة على العبور والمؤهلة للاستمرار, فكان الطيب بكل ما فرضه الواقع قادرا لأن يكون استثنائيا للحظات امتدت لعقود ممسكة بالاستثناء والخصوصية.