أنا أكتب إذا أنا حر..
الأسير أحمد عارضة *

هكذا تغدو الكتابة بالنسبة (لهم) ممارسة واعية لحرية مبتكرة، فهي سلاحهم ضد النسيان والطغيان، هي طريقتهم المثلى في ترويض شراسة الفراغ الشاسع؛ هي مرآتهم الأمينة قابلتهم ووليدتهم في الآن ذاته، هي ملاذهم في زمن البرد والقيظ الطويل، هي وعي لضرورة ملحة كشرط للإبداع المسيج بجثث الوقت المترامي بلزوجته وثقله؛ وهي حرية مؤقتة في زمن الأسر الدائم، هي (هم) حين يكتبون أولى كلماتهم، وحين يعزفون عن كتابتها لإرجاء رعشة خوف طفلي من البوح أو الانكشاف، ذلك قبل أن تستحيل الكتابة رغبة في ابتكار حياة موازية ونظيرة لتلك التي سلخوا عنها، حياة ينسجون خيوطها على مهل ليواكبوا عبرها عالما غادروه مرغمين، بيد أنهم يرفضون الانفصال عنه.. وأكثر، يصارعون للحضور فيه ومحايثته، وإن لم يكونوا متواجدين به.
لا تبني الكتابة داخل الأسر وتغدو بمثابة تفريغ واع لما يخلفه العجز من احتقان وحنق وقهر، كاختبار صعب للذات الحائرة، وامتحان عملي لتلك العلاقة التي تنشأ بين قلم يرتجف، وذاكرة مترامية، وفكرة عصية، بذلك تمسي مخرجات متوترة لمن كثرت مدخلاته، وصرخة مدوية وسط صحراء مقفرة- غالبا ما- ترتجع أصداؤها للأسير وحده، إذ غالبية الكتابات الأسيرة ترواح لا تزال زنزاناتها المغلقة، رهينة الحقائب والأدراج الصدئة بليدة النور.
في الأسر تنقلب معايير ومقاييس ومحددات الكثير من القضايا؛ والكتابة واحدة منها إذ تغدو بصرف النظر عما تحمله من مضامين.. فعلا ثوريا ينزع لاستبدال واقع بواقع بشكل جذري، ولا سيما مع اعتبار ذلك محاربة واعية لمرامي التجهيل والتفريغ الممنهجة المتبعة من قبيل أدوات منظومة السيطرة الاستعمارية التي لا تفتأ تطارد الأفكار والأقلام والكتب والرواية والتاريخ والذاكرة، وفي خضم هذه الظروف المانعة والقاهرة والكابحة لعملية الإبداع، تبرز الحاجة ملحة لاستخدام الفراغ مادة أولية للخلق، لخلق شيء من العدم الماثل، كذاك الذي يستعيض به رجل عن نعمة الخلق الوجودي الذي تتفرد به أي أنثى، ويستعيض به الأسير عن حياة كاملة نزفها وسئل بطيء؛ ويحاول خلق أخرى على شاكلتها ليقوى على الاستمرار وسط عالمه الذي يشيده افتراضيا، له عبر الكتابة بيتا يأوي ضياعه، يبتكر امرأة من كلمات تلده ثانية، يستولد قصيدة تحلق في أرجاء فرضيته حتى لا يرتويه الفراغ، ويحتسيه الوقت.. هنا فقط تستحيل الكتابة وسيلة لردم الفجوة القائمة القيد والحياة.. بين الأسر والحرية، وبين الذات ومرآتها في الآخر الغائب.
فلتكتب ما دمت أسيرا، ذلك يعني أن تغذي قدرتك على الحلم، أن تبتكر أملك الكبير فلا تندثر؛ يعني أن تصنع معجزتك الخاصة وتدون أسطورتك كما تشاء؛ يعني أن تنتصر على الوقت فتدجنه ليألفك ولا يفترسك، أن تكتب يعني ان تمحو قبح السجان الذي يتربص بشوارد أفكارك للانقضاض عليها وزجها في زنزانة باردة، أن تكتب في الأسر يعني أن تزاول الحب مهنة أبدية، فتتفرغ للعشق وتطرد عن روحك كل شياطين الفراغ المدوي بتميمة أبجديتك فلا تستكين، ولا تركن لقوانين عالمك المغلق من كل الجهات، ومعناه أن تحيل أنينك الصامت سيمفونية حياة صاخبة، تخترق منطق الأسوار الشاهقة لتطرب روحك بانثيالات موسيقاها، ومعناه أن تستعيد عبر اللغة وطنا مسلوبا، فقصيدة الأسير هي وثيقة ملكيته للزمان، وصك إثبات حقه بالمكان، وهي حجة التملك الأقوى في وجه السرقة المتواصلة منذ أكثر من قرن، قصيدة الأسير هوية المكان والزمان، ونثرية الأسير هي ملامح وخصائص هذه الهوية.
غير أن سؤالا يطفو بقسوته القارسة على سطح ما يلف مفاده: ما قيمة ما يكتب الأسير ما دامت كتاباته محكومة بالنسيان والتلاشي؟ ما قيمة هذه الكتابات ما دام لم يقرأها سواه؟ وكأنه يستخدم لغة خاصة لا يقوى على تهجئتها أحد غيره؟؟
ولعل الإجابة عن هذه الصيغة من الأسئلة ستبدو حماسية وساذجة إذا ما جاءت على تلك الدرجة من البديهية المواسية والمقاطفة، ولن تشكل فهما يفك عقد مشكلة سياقات طويلة من التجاهل وعدم الاكتراث بما يتم نسجه، ونحته وصقله داخل زنزانة تفتقر لكل مكونات الدفع تجاه الإبداع والخلق، فمن اللاشيء يكون الأسير شيئا قد لا يكون على تلك الدرجة الباذخة من الأهمية، وقد يكون أكثر أهمية مما يناظره لدى كتاب ينعمون بالحرية الكاملة، غير أننا من أجل وعي ذلك ينبغي علينا تناول هذا "الشيء" ومنحه بعضا من القراءة النقدية والتحكيمية بمعزل عن نسبه لأسير، بما يفرضه ذلك من تعاطف جارح للنص ولصاحبه، هكذا قد تغدو العملية أكثر منطقية وأجدى، فلا تتحول نتاجات الأسير قصورا رملية لا تلبث تشيد حتى تبتلعها أول موجة عابثة.
ذلك مع الميل إلى الاعتقاد بأن للأسير الكاتب أبجدية خاصة، ولغة مختلفة بما يشفعها من مفردات عالمه المغلق والمتماثل، تملي خصوصية خطيرة على ما يبتكره ويبدعه من نص، فاللغة- أسوة بالإنسان- هي ابنة بيئتها، بها تتمرد ومنها تكتسب ملامحها التعبيرية المميزة، لذا يحدث تميز لغة الأسير بعلامات فارقة قد تحيل نصوصه متشابهة، لكنه ليس تشابها استنباطيا أو من حيث المظهر الإنشائي للنص، إنما قد يكون من حيث البناء النفسي والملامح المبنية للغة، حتى لا تتناول مواضيع بعيدة عن واقع الأسر وتفاصيله، فإن كان لكل نوع كتابي خصوصية يفرضها الإطار المحدد لهذا النوع، فإن للنتاج الكتابي (الأسير) خصوصية تتحدد بالمكان الضيق والواقع المغلق الذي تنبعث منه أحرف فقيرة إلى الإيحاء، غنية باستعادته وإعادة إنتاجه واستخدامه، أو بما يجترح من وحي شحيح وفقير، بيد أن من يحتاج النتاج الكتابي للأسرى ضمن سياقاته المختلفة، سيعثر على لوحة ملحمية تلتئم من مئات النصوص من قصائد ونثريات، وخواطر ودراسات تشكل مجتمعة مادة يمكن أن تكون موسوعة رفض إبداعي جديرة بالعناية والحفظ والرعاية، ولمن يقول للأسير اكتب حتى تهزم السجن، يقول له الأسير اقرأ حتى ينتصر النص، فلا يغدو فعل الكتابة ضربا من العبث كالرسم فوق صفحة ماء أو كسيزيف يمتهن العبث حرفة أبدية.
حقا إن نص الأسير لا يستجدي قارئا، ولا يتسول ناقدا، لكنه يحث إليه بما هو عليه لا بما هو منه، فثمة نوعان من الكتابات، الأول يدفعك للكتابة لأنك تمتلك قدرة على تخطيه، والثاني يدفعك للقراءة يثري ذائقتك أو رصيدك المعرفي بالقليل أو الكثير، من هنا يجدر التمييز جيدا بين نص اشتغله أسير لقناعة ما بأنه جدير بالكتابة، وبين نص ابتكره أسير لظنه أنه خليق بالقراءة، وعليه فالأداة التحليلية العلمية القادرة، تستطيع حسم السجال الذي يدور حول ضرورة أو عدم ضرورة تناول نص الأسير بمعزل عن هوية صاحبه وبحيادية مهنية تامة ومنصفة.
في المحصلة سيظل صاحب كل قلم أسير يجري تمارينه الكتابية ومواراته الراعفة بين الحبر وآلاف البياض الطلق، وسينمو هو داخل تلك العلاقة ليصل إلى نصه المنشود، سيجتاز كل ما يقف أمام تدفق حده، حتى لو صودرت كل أقلامه وقصاصاته ويديه، سيكمل سرديته الوجودية وسيروي روايته وقصة لجوئه وتلجيئه الممتدة منذ أكثر من قرن وسيبتسم في تأرجحه بين عودي مشنقة، ابتسامة تشف عن قناعته بأنه بدأ كتابة وتوثيق روايته هو، كاملة وسالمة من أي تحريف، وتزوير، وستظل كتاباته طريقه نحو فردوسه المفقود وحريته الكاملة وإشهار هويته الوطنية والإنسانية في وجه القبح والموت والنفي..
----------
* محكوم بالسجن مدى الحياة- معتقل ريمون الصهيوني