لماذا انتجت العولمة ارهابا؟
باسم برهوم
ربما كان عالم النفس الشهير فرويد على حق عندما قال "ان البشرية تمتلك في اعماقها شهوة التدمير الذاتي، اوالانتحار الجماعي". فرويد كآخرين كثر فجع من الوحشية غير المسبوقة في حينه التي انتجتها الحداثة الاوروبية، او عصر التنوير، هذه الحداثة التي كانت نتاجا للثورة الصناعية، التي راهنت على العقل وحده جاءت بحربين عالميتين حصدت عشرات الملايين من ارواح البشر.
العولمة، وهي احدى اهم تجليات الرأسمالية في العقود الثلاثة الماضية، على ما يبدو كما هو حال الحداثة، قد انتجت ارهابا وحروبا وحشية مزقت دولا وشعوبا من دون رحمة. عدد لا يستهان به من المنظرين والمطبلين للعولمة قالوا، ان هذه الظاهرة الساحرة بما فيها من ثورة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاعلام، ستحول العالم الى اسرة واحدة، فلا يكون هناك شعب فقير واخر غني، شعب امي واخر مثقف، فالمعرفة ستكون متاحة للجميع بيسر وسهولة، كما ان رأس المال سينتقل بدوره عبر الحدود بحرية، وان ما قد ينتج عن العولمة في نهاية المطاف ضمير انساني جامع موحد ينهي الفوارق بين الامم ويحقق قدرا من العدل.
اذا لماذا انتجت العولمة ارهابا؟؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من ملاحظة تزامن عدد من التطورات جرت في الربع الاخير من القرن العشرين، وهي التطورات التي جاءت بالعولمة، فإلى جانب ثورة المعلومات والاتصالات كان الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي قد انهار وهو المعسكر الذي كان للدولة فيه حصة الاسد في الاقتصاد. بعد هذا الانهيار انفردت الولايات المتحدة الاميركية ومعسكرها الرأسمالي في قيادة العالم، وانتصر نموذجها الرأسمالي الاستهلاكي. في الوقت نفسه كانت الشركات متعددة الجنسيات، العابرة للحدود، قد بدأت تفرض هيمنتها على الاقتصاد العالمي.
هذه التطورات انعكست فكريا واقتصاديا بظهور الليبرالية الجديدة (المحافظين الجدد في الولايات المتحدة) الذين اعلنوا الانتصار النهائي للرأسمالية، وقالوا ان لدى الولايات المتحدة الاميركية فرصة تاريخية لفرض هيمنتها الكاملة على العالم، أي امركت العالم ورسملته على الطريقة الاميركية. وفي الاقتصاد ظهرت الرأسمالية المتوحشة التي تدعو للخصخصة الكاملة للاقتصاد وتحرير السوق العالمي عبر تحطيم حدود الدولة القومية وانهاء سيادتها وتحجيم دور الحكومات في الاقتصاد لتكون يد الشركات متعددة الجنسيات حرة للوصول حيثما تشاء.
لذلك، فان العولمة التي عمقت الهوة بدل ان تحسرها بين الامم والفقير والغني كان لا بد ان تنتج حروبا وارهابا. فكما الحداثة انتجت حروبها الوحشية فان العولمة كان لا بد ان تنتج ارهابا وحروبها الوحشية، فكلاهما نتاج لهذه الرأسمالية والعولمة هي اكثر من ذلك هي نتاج لهذه الرأسمالية المتوحشة المتعطشة للهيمنة التامة وتحويل العالم سوقا مفتوحا لها. كما فشلت في انتاج ثقافة انسانية بل انتجت ثقافه استهلاكية سطحية لا يمكن ان تقود لخلق ضمير انساني عادل ومنصف.
لماذا انتجت العولمة ارهابا اسلاميا وكانت منطقتنا ساحه صراعها وحروبها؟
لاحظنا ان ارهاب الحداثة كان اما يساريا متطرفا او يمينيا متطرفا اما ارهاب العولمة فقد جاء اسلاميا، وان ساحة صراعها وحروبها هي الشرق الاوسط......لماذا؟
هناك ثلاثة مستويات تتضمنها الاجابة على هذا السؤال وهي:
اولا: الولايات المتحدة الاميركية، ومعها الغرب الرأسمالي عموما، كان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الخطر الشيوعي والحرب الباردة بحاجة الى عدو جديد ورأت الولايات المتحدة ان الاسلام هو ذلك العدو. هذا الاستنتاج لا يدخل في اطار تفسير التاريخ والتطورات بمنطق المؤامرة، فقد اعلن وكشف عن هذه المقولة العديد من المفكرين الاميركان وعلى رأسهم المحافظين الجدد، ومن بين هؤلاء ادوارد جيرجيان الذي كان سفيرا للولايات المتحدة فيدمشق وتل ابيب.جيرجيان تحدث في سلسلة محاضرات القاها في الفترة 1988-1991 ان واشنطن بحاجة الى عدو بديل للشيوعية ، عدو جديد قال انه الاسلام وحركاته الاسلامية.
من هنا اعادت واشنطن صياغه دور حلفائها القدامى في الحرب الباردة التي كانت تتعاون معهم لإضعاف الاتحاد السوفييتي، الحركات الاسلامية المتطرفة ، لتخلق منها هذا العدو الجديدونجحت على ما يبدو، فداعش اليوم هي العدو رقم واحد للبشرية، الى درجة ان الامير تشارلز ولي عهد بريطانيا يصفها بانها التحدي الاخطر منذ الحرب العالمية الثانية.
ثانيا : الدول العربية التي فشلت في اغتنام مردود ثروتها النفطية لتبني اقتصاديا صناعيا وزراعيا انتاجيا، وبالتالي بقيت في دائرة الدول اما الطفيلية التي تعيش على مساعدات البنك والصندوق الدولي وتراكم ديونا او دولا تعيش على ثرواتها الطبيعية( النفط) لم تبني اقتصادا انتاجيا. غياب النهضة الاقتصادية غيبت النهضة السياسية والثقافية والعلمية، فكانت الانظمة الديكتاتورية او الانظمة الاصولية المحافظة وفي كلتا الحالتين انتجت تطرفا.
ثالثا: الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وابقاء القضية الفلسطينية دون حل عادل ومنصف، جعل من هذه القضية ورقة للاستخدام لتبرير الارهاب والتطرف.
فالعولمة اذا كأداة للهيمنة الرأسمالية بشكلها المتوحش، والتي كان هدفها تدمير حدود الدولة القومية واقتحام سيادتها لم يكن متوقعا منها الا ان تنتج ارهابا وحروبا، خصوصا ان الاب الروحي لهذه العولمة هي تلك الشركات متعددة الجنسيات التي باتت تسيطر على اكثر من 80%من الاقتصاد العالمي. لذلك كان فرويد محقا لكن ليست البشرية التي لديها شهوة التدمير الذاتي وانما الرأسمالية هي التي لديها شهوة الجشع بلا حدود.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل