عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 شباط 2022

فجر البلاد..!

تغريدة الصباح- حسن حميد

بلى، عندما انتهيت من قراءة كتاب بابلو نيرودا (أشهد أنني عشت)، قلت: الآن بتُّ أعرف تشيلي، وطباع أهل أميركا اللاتينية، والكثير من عاداتهم وتقاليدهم، ومرايا الحب التي واقفوها، والكثير من محطات التاريخ التي عاشوها أيام الاحتلال الأسباني، وصراعهم للحفاظ على هويتهم بعد أن سلبتهم اللغة الإسبانية، بل الثقافة الإسبانية المفروضة عليهم الكثير الكثير، أمّا الجهود التي بذلوها من أجل استعادة الوجه الحقيقي لتشيلي تاريخاً وتراثاً وعادات وتقاليد وحكايات شعبية تدور حول معاني الأبوة وعشق الأرض وثقافة البناء، فكانت كبيرة بفعلها ومديدة بزمنها، ولعل مثل هذا حدث في غير بلد من بلدان العالم التي تعرضت إلى العصف الاستعماري بمسنناته الجارحة وسلوكياته الظالمة، ألم تفقد الجزائر كلّ شيء سوى وجه الجزائر الحقيقي سنة بعد سنة، وقد محت أجيالها، بالعافية الوطنية، كلّ طيوف الغربة التي لفّت الأرض والتاريخ واللغة والثقافة، أقول هذا الآن، وأنا أقرأ سيرة أديب فلسطيني، ولد أثناء تغوّل الظلموت الذي حاف بالبلاد الفلسطينية العزيزة، فوصلت شروره إلى مدينة القدس، بلدته التي ظنّ، هو وأهله، بأن معاني العقيدة ستحول بين بطش الإسرائيلي وأمكنة القدس وأهلها، وعاداتهم وتقاليدهم وأعيادهم ووجوه الحضارة التي حفظوها من كلّ غائلة أو فعل أثيم. هذا الأديب هو الدكتور طلال أبو عفيفة الذي عاش التاريخ، والأحداث وحراك الناس الذين مسّهم ما خلّفه الإسرائيلي من أذيات وكواره وقلق، والعقابيل التي خلّفتها مواجهة المقدسيين مع هذا العدو النقيض الذي لم تردعه قوانين وضعية ولا مواثيق ولا عهود، ولم تخفف من بطشه ودمويته المهابات التي ظلّلت شوارع القدس وعقباتها، ومعاني الطمأنينة والسكينة والخشوع التي تحرس دور العبادة والبيوت وأسرة الأطفال والصلوات.

أقرأ سيرة طلال أبو عفيفة الحقوقي المعروف في القدس، وأرى بباصرته فتوته ونضاله على مقاعد الدراسة، وما تركته الأحداث من جروح ولوعة وبكاء وألم منذ عام 1948، وعام 1967، والأسى الممرور الذي استوطن لهوات الناس، فشلّ حياتهم، ثم وقفته عند أحداث الانتفاضة وما بنته وعمرته من آمال عريضة في النفوس الرّافضة لكلّ الممارسات الشيطانية التي افتعلها العدو ومارسها كيما يمحو الهوية الوطنية، وتجلية سمات المكان، وقداسة البيوت، والمعابد، والمدارس، والشوارع، والسّاحات التي اقترنت بالباهي من التواريخ والمعاني. إنها سيرة المقدسي طلال أبو عفيفة التي تبدي النّور الذي يمرّ بين سطور التاريخ، وبين العقبات (الحارات) والذي يلج أبواب المعابد والبيوت والمؤسسات الوطنية، وسيرة أهل القدس الذين حرسوا المكان ليل نهار وطوال سنوات القهر بالسّهر الوطني، وما زالوا، على الرغم من كلّ أشكال الأذى والعسف والدم الجاري يومياً، ومحاولات التهويد التي اصطدمت بالإرادة الوطنية الصلبة. إنها سيرة تمرّ بالمقابر الفلسطينية التي انتهكت حرماتها ليكشف عن عمق المأساة، فكلما امتدّت سنوات الاحتلال اتسعت المقابر بأهلها وأحزانها، وتواقف السيرةُ أعلامَ القدس الكبار الذين أضاءوا حياتهم وحفظوها بالنضال كي يخلدوا إلى لحودهم المُنارة بأعمالهم النّدية.

 في كتاب د.طلال أبو عفيفة (ذكريات الماضي– سيرة ومسيرة) جلو لتاريخ مدينة القدس وأمكنتها، وبيان ناصع كالنهارات لمقاومة الممارسات الآثمة، والنفوس الحاقدة، والهمجية الدموية الباطشة التي غدت تعريفاً للمحتل الإسرائيلي البغيض وصورة له، لهذا أوصي دائماً بأن تقرأ سير الفلسطينيين، سير إدوارد سعيد، وهشام شرابي، ومحمود درويش، وحنا أبو حنا، وطلال أبو عفيفة كي نتتبع النّور الذي يجهجه منادياً بالنّهار المشتهى.. الآتي لا ريب!