ذاكرتي.. مع حزب
حنان باكير
يحدث احيانا، أني استجمع افكار تغريدة ما. وحين أجلس لوضعها كلمات على جهاز حاسوبي، تنثال افكار لا علاقة لها بما فكرت! ما حدث معي امس، أن اتصالا هاتفيا من صديقة قديمة، نسف افكاري التي كانت تنتظر لحظة ميلادها. واستولد افكارا جديدة.
صديقتي هي ابنة رجل مناضل، لم اعرفه لأني كنت طفلة، حين انتشر خبر استشهاده. لكنه فتح وعيي على حزب، ربما حملت شعورا سلبيا، أو حياديا تجاهه، في ذلك الحين.. هل لأن اسمه لا يحمل كلمة "عربي".. كان هذا زمن المد القومي العربي. ولأن طفولتي شهدت مرحلة حرجة في تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي.
سكن ذاكرتي، يوم خروج العكاوي "خ. م." من السجن. كنا نلعب أمام البيت حيث إننا سكان حيين متقاربين في المنشية. أذكر لحظة وصوله، وتجمع العائلة، وخروج امرأة من البيت تستقبله بالزغاريد. بقيت أتذكر فحوى الزغرودة.. أن السجن للأبطال، واننا لم ندخل السجن بتهمة مشينة، بل بدمغة وطنية، مع ورود اسم فلسطين في الزغرودة. سارع بعض الشباب صوب المرأة..وضع احدهم يده على فمها، وسار بها الى داخل البيت، وتناهى الى سمعي كلمات "استرينا ما صدقنا طلعنا من السجن".. فقد كان "خ. م." قوميا سوريا عنيدا.. وصرت أكتشف في كل يوم اسماء فلسطينيين ينتمون الى ذلك الحزب العلماني.
اثر مؤتمر القمة الاول، كنت انتظر اعلان حرب وحشد جيوش، واقتراب موعد عودة فلسطين لأهلها.. لكني شعرت بالخذلان من نتائجه، وما زلت اتحدث عن مشاعر طفولية، فبكيت وبكيت لأني لم أفهم من الاخبار، نية أي تحرك عسكري. وادركت بحسي الطفولي، أن الكلام يبقى كلاما.. يومها رفضت أخذ درس الرياضيات الخصوصي، مع الاستاذ احمد عكاشة، الذي كان ينتظر في غرفة الاستقبال. الذي استدرجني بلطف للحديث معه. فوجئت بأن الاستاذ احمد الفلسطيني وابن ترشيحا، كان ايضا قوميا سوريا.. وحدثني عن الحزب، وعن افكار زعيمه أنطون سعادة، واستشهاده.. وسمعت لأول مرة في حياتي مقولة الزعيم " بأن الحياة وقفة عز".
جارنا العكاوي في برج البراجنة، "ع. أ. ح".. عرفت أنه كان ايضا قوميا سوريا، من أيام عكا، وكان المسؤول عن تنظيم خلايا الحزب في مخيم برج البراجنة. وانه سجن ايضا في مرحلة الستينات، ثم خرج ببراءة. كنت أود ان اكتب تجربته في الحزب.. لكن الموت اختطفه في منفاه البارد البعيد، بعد أن زار عكا وودعها.
ثم توالت معرفتي بأسماء رجالات الحزب من الفلسطينيين، وجلهم ممن انتسبوا له قبل النكبة.. الحيفاوي محمد أديب الصلاح، كان ضابط كوماندوس في جيش الانقاذ.. ولحظة استشهاده، أدى قسم الحزب. ومن أقواله ".. لقد أتم الزعيم رسالته، وختمها بدمه". وأيضا "لم ولن أرهب الموت.. انما اريد ان أموت قوميا..".
أديب الجدع، الحيفاوي. وهو القائل: "لا تنتصر العقائد وتنتصر غاياتها، اذا لم تسفك في سبيلها دماء معتنقيها".. تبقى الاشارة الى ان الزعيم أنطون سعادة، سجل موقفا تاريخيا، برفضه دخول الجيوش العربية الى فلسطين، وقال: إن فلسطين لا ينقصها الرجال، بل السلاح"، كان مع تزويد الفلسطينيين بالسلاح فقط! وأضاف ان المؤامرة على فلسطين تطبخ على نار حامية..
ما يدهشني، هو إقبال الفلسطينيين منذ الاربعينات على اعتناق مبادىء حزب علماني.. بعيدا عن أي ايديولوجيا دينية!!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل