عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 كانون الثاني 2022

ذاكرة فلسطين

هادي جلو مرعي*

وأنا أقرأ في سيرة المؤرخ الراحل جميل عرفات الذي وافته المنية بعد تسعة عقود من الكدح في الحياة الدنيا، ومن خلال ماأنتجه عرفات، وماأبدع فيه، وماجاد به من عطاء وتأليف وتأريخ لوطن حي متجدد، يتأكد لي أن فلسطين أكبر من أن تطوى، وتتحول إلى قضية في درج مترب، في مكتب هذا الرئيس الأميركي، أو ذاك الرئيس الأوروبي وهما يتغامزان ويتهامزان، ويحاولان التسويف والمماطلة لدعم وجود غير شرعي على أرض تتعرف إلى أبنائها من بعيد وتفهمهم، وتلفظ من عداهم إلا من كان محبا للسلام، ساعيا في الخير، متأصلا في العطاء، متواصلا من أجل الإنسانية، لايبحث عن الثغرات ليمر منها، ولايجيش الجيوش لبناء المستوطنات، واعتقال الرجال والنساء في ظروف سيئة، وتجويع الناس، والتضييق على العاملين المارين من خلال المعابر إلى حيث الرغبة في العمل، وحفظ الكرامة.

جميل عرفات بشماغه الجميل المطرز بالسواد، وهو يجلس متأملا يمثل روح فلسطين المتحدية، حتى لكأنك ترى فيه الرجل الذي لايعترف بالاحتلال، ولم يعش يأسا حاول المحتلون زرعه في النفوس، ونقشه على الحجر، وبثه في الهواء، ومزجه مع الماء، ونسجه مع الثياب، ليطوق الأجساد والأرواح، ويحرمها من قوتها وإرادتها المتجذرة، فأخذ ينتج ماينعش الذاكرة الوطنية التي تأبى أن تتحول إلى ذاكرة سمك، فالسمكة حين تنجو من شبكة الصيد، ماتفتأ أن تنسى، وتعود ثانية، فتتحول إلى ضحية نهائية، وهدية بيد الصياد، وهذا نتاج جهد وطني مخلص, كان جميل عرفات واحدا من كثيرين عملوا على إبقاء جذوة الذاكرة متقدة لكي لاينسى الفلسطينيون حريتهم، ويستمروا في التطلع إلى المستقبل كأي أمة حية، والفرق بينهم، وبين من يريد تكريس الاحتلال أنهم يمارسون حياتهم على أرضهم، بينما المحتل يريد التأسيس لحياة يصنعها بالموت والاستيطان والتهجير والاعتقال والحرمان من حق العودة إلى الديار، والعيش بسلام.

عشرون كتابا، وحكايات ومعاناة، وتدريس لأجيال، وتخريج لدفعات من الشبان العارفين بفلسطين والباحثين عن الثقافة والمعرفة، وحب للوطن وللأرض لاينقطع شكلت علامات مميزة في طريق سلكه هذا الرجل الفلسطيني الذي قدم لشعبه صورة حية للمناضل الحقيقي، غير الهياب الذي لايتردد في إنتاج المعرفة ونشر ثقافة التسامح، وتأكيد الحق الفلسطيني في العودة والوجود والحرية الكاملة خاصة وأنه من عرب 1948 الذين يعيشون في ظل احتلال فعلي يرفضون أن يتنازلوا له، وأن يتخلوا عن قضيتهم العادلة التي قدموا التضحيات من أجلها، ولايمكن أن يغيروا وجهتهم مطلقا.

* كاتب عراقي