عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 كانون الثاني 2022

طاسة آيزنكوت ضاعت

نبض الحياة- عمر حلمي الغول

قدماء النخب السياسية الإسرائيلية، والوافدون الجدد إليها من العسكريين وغيرهم ما زالوا يعيشون في دوامة تيه المشروع الكولونيالي الصهيوني. لا هم قادرون على الخروج من قيوده، ولا لديهم الجرأة لتجاوز خطوطه الحمراء، ولا توجد لديهم ركيزة اجتماعية حاضنة ومؤهلة للتغيير في المجتمع الإسرائيلي. كما أن أصحاب المشروع في الغرب الرأسمالي لا يريدون لهم التحرر من آثامه وأساطيره المفبركة؛ لأن مصالحهم حتى اللحظة الراهنة تشي بضرورة بقاء دولة النكبة الفلسطينية، وعليه فإن دور الأداة اليهودية الصهيونية الوظيفي مطلوب، وحمايتها مكفولة، واستحقاقات دعمها المادية بمشتقاتها المختلفة مرصودة، وتقدم بانتظام وبشكل دوري لتنفيذ المهام الموكلة لها. رغم أنهم (الغرب) يصرحون بمواقف متناقضة وحمالة أوجه لترك اللوحة مشوشة، ولتسهل عليهم الاستدارة نحو أية سيناريوهات جديدة أو متجددة بما يخدم غاياتهم في كل لحظة.

وبالعودة للنخب الوافدة لميدان العمل السياسي، ومنها غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي، الذي قدم نفسه عبر صحيفة "معاريف" من خلال لقاء نشر يوم الأحد الماضي، وكان عنوانه الرئيس "حل الدولة الواحدة سيؤدي إلى دمار الحلم الصهيوني". ومع ذلك لم يقدم القادم الجديد للحلبة السياسية رؤية متكاملة، وإنما اكتفى بالتحذير، وترك الباب مفتوحا لمشروع الحل الاقتصادي والجزر الكانتونية الفلسطينية، فيقول، إن على إسرائيل "القيام بخطوة مرحلية تمتد من ثلاث حتى خمس سنوات من أجل تحسين الواقع، والبدء في بناء الجسور لخفض مستوى العداء، وتعزيز الثقة". ولجأ للغة الإنشائية الفضفاضة، عندما دعا "إلى تغيير الواقع من خلال مبادرة متكاملة من جانب إسرائيل والفلسطينيين ومصر والأردن والولايات المتحدة، والدول الخليجية". لكنه لم يشر من قريب أو بعيد لملامح تلك الرؤية، ولم يتطرق بكلمة واحدة لخيار الدولتين، ولا للفيدرالية أو الكونفيدرالية، وترك الباب مفتوحا على الغارب. وكان كل همه منصبا على عدم بقاء واقع الحال على ما هو عليه، والذي سيؤدي بالضرورة وفق تقدير اللاعب السياسي الجديد إلى المحذور، وهو الدولة الواحدة.

وفي السياق، ركز على بعد آخر، ما يسمى "الأمن القومي" الإسرائيلي، حيث شدد على "أن الشرخ في المجتمع الإسرائيلي، وحملة التشهير المتبادلة، تحد من القدرة على الحكم، إلى جانب تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، والجريمة، تشكل كلها التهديد الأكبر على مستقبل إسرائيل". وأضاف رئيس الأركان السابق، ما وصفها بـ"المناعة القومية" للمجتمع الإسرائيلي، باعتبارها العنصر الأهم في "الأمن القومي". وعمق فكرته بالتأكيد على أن قلق الشارع الإسرائيلي "ليس بسبب التهديد الإيراني فقط، وإنما بسبب الضعف الداخلي، وانعدام المساواة، وعدم استيعاب كثيرين داخل المجتمع". وخلص إلى استنتاج "لا يمكن وجود حالة أمن قومي من دون تضامن اجتماعي، ولا يوجد تضامن اجتماعي من دون أمن قومي"، وأعتقد أن استنتاج الجنرال دقيق.

لكنه لم يتطرق من قريب أو بعيد لما يمكن أن يحمله الوجود الفلسطيني على ذلك الأمن، سوى تحذيره من خطر الذهاب للدولة الواحدة. وركز على البعدين في التهديد للوجود الإسرائيلي، ويقف على رأسها "التشرذم والتفكك، وغياب التضامن الاجتماعي الإسرائيلي"، وانتفاء المناعة الداخلية. وهذا صحيح جدا. وقد يكون أحد أهم الأخطار المهددة لبقاء الدولة الإسرائيلية، حتى لو قدم لها الغرب الرأسمالي كل أرجل الخشب الممكنة للوقوف عليها، فلن تقف نهائيا. لكن البعد الإقليمي "الإيراني" لا أعتقد أنه يشكل تهديدا لإسرائيل إلا بوسائل الإعلام، ولاستثمار ذلك في لعبة إعادة تشكيل الإقليم الشرق أوسطي الجديد، وإخصاء العرب جميعا.

مع ذلك تجاهله للعامل الفلسطيني، وخيار السلام القائم على حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، والمساواة لأبناء الشعب الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، فيه هروب واضح من وضع اليد على الجرح الإسرائيلي الأعمق؛ لأنه دون إقامة السلام الممكن والمقبول، وبما يستجيب والحد الأدنى لطموحات الفلسطينيين الوطنية والقومية، وضمان عودة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194 والمساواة لفلسطينيي الـ48، بالتلازم مع التناقضات العميقة بين مكونات دولة الخزر الإسرائيلية سيؤدي إلى فناء المشروع الاستعماري الإسرائيلي.

وبالنتيجة من القراءة الموضوعية للقاء آيزنكوت، يلاحظ أنه لم يخرج عن الخطاب السياسي العام لفسيفساء الحزبية الصهيونية، ولم يتمكن من المبادرة لطرح رؤية قابلة للحياة. رغم أنه وضع إصبعه على بعض الجروح الإسرائيلية، إلا أنه أغمض عينيه عن الحقائق الأهم، والكفيلة بإخراج إسرائيل وفلسطين والمنطقة من دوامة العنف والحروب. ولهذا ضاعت طاسة رئيس الأركان السابق السياسية، أو كما يقول المثل الشعبي "من أول رعياته كسر عصاته".

[email protected]