عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 كانون الثاني 2022

ماذا يجري في بغداد؟

هادي جلو مرعي *

سبعة عشر عاما ونيف من التحول السياسي الكبير، وزوال نظام حكم دام لعقود شهد العراق في ظله العديد من التجارب الاقتصادية والسياسية والنزاعات والحروب، وتداعيات لا حصر لها، ولكنه تحول إلى تاريخ مع دخول القوات الأميركية إلى العاصمة الخالدة بغداد، لتتحول تلك العاصمة إلى مدينة محتلة لم يحمر ماء دجلتها بدماء الضحايا على طريقة هولاكو، ولا سال حبر مكتباتها مع مويجات ذلك النهر الممتد، ولكن تاريخا جديدا بدأ يكتب، وتسجل وقائع مرحلة صعبة ومعقدة وقاسية رحب بها طيف، وبكى على أعتابها طيف، وتلاقت دموع وضحكات، وتبادلت الأدوار، وتحولت من طيف إلى آخر فهذا يبكي تارة، وذاك يضحك تارة أخرى، وتقلبات تليها تقلبات غريبة وعجيبة في بلد لا يكاد يستقر، أو يهدأ، حتى ينتفض فجأة وكأنه بركان خمد لفترة، وسرعان ماعاد إلى الثوران والتمرد، والجنون.

بعد مضي سبعة عشر عاما كاملة، وفي خضم صراعات قاسية بين مكونات سياسية تنتمي لبعضها، وأخرى تفترق طائفيا وعرقيا، بدأنا نشهد نوعا من التحول غير المسبوق، حيث يأفل نجم قوى سياسية فاعلة كانت تحكم الدولة الناشئة، وواجهت تحديات صعبة فشلت في معالجة معظمها، وخسرت ثقة الجمهور، ولم تكن ذكية، ولم تتعامل مع التطورات كما ينبغي، وتسببت بإحداث صدع كبير في علاقتها مع الشعب الذي كان يطمح إلى حياة مختلفة في بلد غني مشبع بالثروات، كما هو مشبع بالأزمات التي تستهلك تلك الثروات، وتستنزف الطاقات، وتذهب بالثقة إلى الهاوية، وتفقد روح المبادرة حتى خسرت جمهورها رويدا، وقد يكون فقد الحماس للدفاع عنها، أو إنه لم يعد يجد جدوى في متابعة مسيرته معها، فصار مستعدا للحظة الفراق حتى مع عدم ثقته بالمستقبل، ونوع التغيير الذي لا يضمن على وجه اليقين الى أين يأخذ به، إلى بحبوحة العيش، أم إلى وضع آخر يستنزف ما بقي لديه من قوة وتحمل.

لوقت قريب كانت القوى الفاعلة منشغلة في ترتيبات المرحلة الجديدة مع علمها بأن المراحل تستنزف بعضها، وما يحدث في مرحلة قد يكون إيذانا بتغيير هائل في مرحلة لاحقة، مع ما رافق ذلك من تجاهل طبع سلوك قوى لم تتنبه إلى صعود جيل جديد طامح ومتجدد لا يرغب بحياة تقليدية ويكاد لا يطيق الطبيعة التي عليها المجتمع والدولة خاصة أن قوى النفوذ لم تفعل شيئا للتماهي مع قوى التغيير، أو محاولة التفاهم معها، ودراسة ما يحدث متسارعا وصادما، وانشغلت بمصالح خاصة واستثمارات، حتى تيقن الجميع أن من حكموا العراق لم يكونوا يحكمون، بل كانوا متاجرين باحثين عن تأمين مكاسب خاصة، ومهما كانت مفيدة لهم، وبدت كبيرة، لكنها كانت تافهة أمام مصلحة بلد كبير وعظيم، وله تاريخ تطاول على تاريخ أمم وحضارات صنعت مجد البشرية، وتشاركت فيه.

من المؤكد أننا نتجه إلى حال مختلف تماما سيكون عليه العراق، وسيكون هناك الكثير من المفاجآت المذهلة بعد فقدان قوى تقليدية نفوذها أمام قوى شاركتها الحكم، ولكنها كانت تميل إلى نوع حكم مختلف، وطبيعة أداء مختلفة تؤدي إلى محاولة بناء علاقات وتوازنات سياسية، وينسحب ذلك على تحالفات تلك القوى مع الخارج، وقد يؤدي إلى تضاؤل نفوذ، وحضور دول، وتصاعد نفوذ دول أخرى، فليس ممكنا، ولفترة قادمة أن ينفصل العراق عن تأثيرات الخارج بسبب قوتها، وصعوبة توفر نظام سياسي مستقل بالكامل، وأمامنا وقت طويل يمر لنصل إلى عراق يحكم نفسه بنفسه، ولا يرضخ لقوى النفوذ والهيمنة الخارجية، ودائما سنحتاج الى طرح سؤال مهم مؤداه، ماذا يجري في بغداد؟

---------

* كاتب عراقي