عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 02 كانون الثاني 2022

في حضرة درويش والانطلاقة

شرفة الحياة- فتحي البس

فور تعييني مديرا عاما لمؤسسة محمود درويش، وقفت بخشوع أمام ضريحك، وتأملت طويلا كرسيِّك وأدوات كتابتك وبقية مقتنياتك. تمالكت نفسي وخاطبتك في غيابك الجسدي وحضورك الطاغي الأبدي، ترقرقت الدموع في عيني وأنا استعيد كلماتك في ديوانك "في حضرة الغياب":

"الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء." موتك أوجعني وحفر حزنا في قلبي عميقا عميقا، تجدد في وقفتي أمام ضريحك، فتتابعت الصور والذكريات يا صديقي  منذ عرفتك من خلال قصائدك في بداية عهدي بالانضمام الى فتح عام 1968، ولاحقا عندما رافقتك في أمسيات شعرية في بيروت ودمشق وعمّان، ضاقت الأمكنة بالحضور وفاض حدُّها عن حدِّها، وما تبع ذلك من لقاءات وحوارات، شربت فيها من يديك قهوتك، واستمعت لك وحضرت لعبك النرد مع غانم زريقات، وتجولنا في ليالي عمان، وصولا الى رام الله  حيث عهدت الي بطباعة وتوزيع الكرمل، كم حدثتني عن أصدقائك الذين تحب، وعهدت إليّ باعادة اصدار طبعة خاصة بفلسطين من ديواني "كزهر اللوز أو أبعد" و"في حضرة الغياب" فصرت أهديه إلى من أحب بجملة ماجدة: إليك كي لا تحضر غيابي.

وجدتني أمام ضريحك أخاطبك: العهد أن أعمل جاهدا للحفاظ على إرثك الانساني ونشر رسالتك الوطنية الكونية، أفكِّرُ بغيري دائما، مرددا لنقتنص الفرح، فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

ذكرياتي معك رافقت ايضا ذكرياتي في "فتح" التي نحتفل بانطلاقتها، التي تعلمت فيها الكثير، ورافقت مسيرتها في كل مراحلها، منذ الرصاص الذي زغرد، مرورا بفشل كل محاولات شقِّها والتمرد عليها أو محاولات احتوائها أو ترويضها أو إلحاقها، في انتصاراتها أو جنوحها إلى ما وجدته قيادتها أنه حلّ يعيدها على ارض الوطن، رغم رفضي وزملائي منذ برنامج النقاط العشر وصولا إلى أوسلو لهذا المسار، ولا جدوى  الآن من الحديث عن انكسار مؤقت نعيشه في هذا الزمن العصيب، يجدد فيه الفتحاويون الأمل، فيحتشدون للدفاع عن الأرض مع أبناء شعبنا، في برقة وبيتا وجبل صبيح وكل الأماكن التي يمارس فيها جيش الاحتلال وأدواته من المستوطنين، وفي قلوبهم غصة إن استعادوا ما قاله درويش في قصيدته مديح الظل العالي: كم كنت وحدك....فالشعب الفلسطيني مخذول من إخوته، لكنه مصمم على الانتصار وتحقيق حلم الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، فالثورة واسعة والرحلة ضيِّقة والفكرة كبيرة والدولة صغيرة إن كان ثمنها التخلي عن الحلم والأمل والفكرة. وأجدني أردد خطاب درويش العالي لسيِّد الشعلة:

يا سَيِّدَ الكينونة المتحوِّلَهْ

يا سَيِّدَ الجمرهْ

يا سَيِّدَ الشُّعْلَهْ

ما أوسع الثورة

ما أضيقَ الرحلة

ما أكبَرَ الفكرة

ما أصغَر الدولة!.....