عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 تشرين الثاني 2021

كلهم شركاء.. في الوعد البغيض!

تغريدة الصباح - حسن حميد*

الآن، وبعد مرور /104 /سنوات من الألم العميم، والظلموت القاصم للظهر والأرض والتاريخ والأحلام، نعاود الحديث عن الوعد البغيض الذي بدأ، للمرة الأولى، على شكل تصريح، ثم على شكل وعد، ثم على شكل قرار وموافقة من بريطانيا وفرنسا وأميركا، ثم صار مستندا قانونيا، ثم مستندا تاريخيا، ثم عقيدة صهيونية.
تحدثنا كثيرا عن ظلامية هذا الوعد وزيفه وبهتانه.. وما ألحقه من نكبة لعينة بالشعب الفلسطيني، ندر مثيلها في العالم، وما من فائدة في تكرار ما قيل لأن أهل الظلموت، غربا وصهاينة، غلظت رقابهم، وتحجرت جلودهم، وعميت أبصارهم وبصائرهم، فما عاد الخطاب الموجه إليهم يفيد.. لأنهم جميعا سعوا إلى بلورة النكبة الفلسطينية وتظهيرها على هذا النحو البشع واللاإنساني، لقد صدر الوعد أيام رئيس أميركا (ويلسون) صاحب المبادئ الأربعة عشرة، ووافق عليه، وأحد المبادئ التي نادى بها يقول: احترام الأمم والشعوب، واحترام سيادتها وتاريخها ولغتها وعقائدها..إلخ. 
الصهاينة صاغوا الوعد مرات، وأرسلوه، مع رسلهم، للملكة وللحكومة ولوزارة الخارجية ولمجلس اللوردات، والبريطانيون صاغوا الوعد ونقحوه مرات وأعادوه إليهم للملاحظة والمراجعة، وحين اتفق الطرفان أرسله البريطانيون إلى الفرنسيين والأميركان ومن والاهم آنذاك لقطف الرضا والموافقة؛ وهنا بيان للمسودات المتبادلة التي حبرها الصهاينة والبريطانيون، وجميعها تمت خلال شهور قليلة؛ الصيغتان الأولى والثانية كتبهما الصهاينة، وفي مقدمتهم وايزمن (1874 - 1952) وروتشيلد (اللورد)، بعد أن طلب بلفور (1848 - 1930) منهما هاتين الصياغتين وتعديلاتهما، أما الصيغ الأخرى وعددها ثلاث فكانت مسوداتها للبريطانيين: بلفور وفريقه داخل وزارة الخارجية البريطانية.
الصياغة الأولى كانت لـ حاييم وايزمن (1874 - 1952) وهذه مسودتها: "توافق حكومة جلالة الملكة، بعد النظر إلى  أهداف المنظمة الصهونية، على مبدأ الاعتراف بفلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي، وحق الشعب اليهودي في بناء حياته القومية في فلسطين تحت حماية يتم تأسيسها في خلاصة مفاوضات السلام التي تعقب النجاح في الحرب"، وتاريخ كتابة هذه المسودة (تموز 1917). والمسودة الثانية، كتب صياغتها اللورد روتشيلد: "تتطلع حكومة صاحبة الجلالة للاعتراف بمبدأ تأسيس حكم ذاتي للقومية اليهودية في فلسطين، وحرية هجرة اليهود، وتأسيس شركة استعمار قومي يهودي لإعادة التوطين، والقيام بالتنمية الاقتصادية في البلاد، وتوضع شروط وصيغ الحكم الذاتي الداخلي، وميثاق شركة الاستعمار القومي اليهودي وفق وجهة نظر حكومة الجلالة بالتفصيل، وتحدد مع ممثلين للمنظمة الصهيونية"، وتاريخ هذه المسودة (تموز 1917)  أيضا، والمسودة الثالثة كانت لـ بلفور (أواخر تموز 1917) وصيغتها: "توافق حكومة جلالة الملكة على مبدأ أن فلسطين ينبغي إعادة تشكيلها كوطن قومي للشعب اليهودي، وستبذل حكومة صاحبة الجلالة غاية جهدها لضمان تحقيق الإنجاز في هذا الأمر، وسوف تناقش الأساليب والوسائل الضرورية مع المنظمة الصهيونية"، وصيغت هذه المسودة (آب 1917) والمسودة الخامسة، جاءت على هذا النحو: توافق حكومة صاحبة الجلالة على المبدأ القائل بأنه ينبغي إعادة تأسيس فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي، وسيبذلون (أعضاء الحكومة (غاية جهودهم لضمان إنجاز هذا الأمر، وسيكونون جاهزين للنظر في أي اقتراحات على الموضوع ترغب به المنظمة الصهيونية بوضعها أمامهم، وقد صاغها خبراء في وزارة الخارجية البريطانية، في آب 1917، والمسودة الأخيرة كانت لـ بلفور واللورد ميلنر: تنظر حكومة صاحبة الجلالة بعين العطف لإقامة وطن قومي للعرق اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل إنجاز هذا الهدف، على أن يفهم بوضوح أنه لن يفعل شيئا يمكن أن يخل بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو الحقوق السياسية التي يتمتع بها غير اليهود ممن يكتفون بجنسيتهم الحالية.
أما الصياغة الأخيرة للوعد البغيض، فهي معروفة. ولعل نظرة إلى هذه المسودات التي صاغها الصهاينة والإنجليز تقول لنا بوضوح إنهم لم ينتبهوا، ولو مجرد انتباهة، لوجود الشعب العربي الفلسطيني، وقد وافق، كما قلت، الغرب كله على صيغة الوعد البغيض! ولهذا فهم شركاء جميعا في جريمة النكبة الفلسطينية منذ ذلك الزمن وحتى يوم الناس هذا، وسيظل العار طي تاريخهم، وطي قوتهم العمياء الطرشاء الجهول، وسيظل أهل المظلومية، الفلسطينيون، أهل المناداة الآبدة: بأن فلسطين هي وطنهم العزيز.
--------
* كاتب فلسطيني في دمشق
[email protected]