بعد 104 سنوات على وعد بلفور... السارق لا يزال دون عقاب!!!!
باسم برهوم

قبل 104 سنوات جرت أكبر سرقة وتزوير في التاريخ البشري، جرت سرقة فلسطين وحق تقرير المصير من الشعب الفلسطيني فوق أرض وطنه. خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في النصف الثاني من عام 1917 تمت صياغة وعد السرقة الذي قدمه وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور باسم حكومة التاج الملكي البريطاني للحركة الصهيونية، يمنحها حق إقامة " وطن قومي للشعب اليهودي " في فلسطين.
ففي الفترة ما بين حزيران / يونيو إلى مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1917 أجرت مجموعة من الصهاينة ورسميين إنجليز والأوساط الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية مفاوضات مكثفة وتبادلت ست مسودات إلى أن توصل الجميع إلى الصيغة النهائية. وقبل الخوض بمضمون هذه الصيغة، على الجيل الفلسطيني الجديد أن يعلم بعض الحقائق، إنه في سياق هذا التبادل، فإن كافة المسودات التي تقدمت بها الحركة الصهيونية والمسودة الأولى لوزير الخارجية البريطاني لم تشر لا من قريب أو بعيد إلى أن هناك شعبا فلسطينيا موجودا في فلسطين، وكانت المفاوضات تدور حول أرض كما وكأنها فارغة تماما من أي سكان. وعندما اكتشفوا أن وعدهم لا يمكن أن يقفز عن الواقع، وأن فلسطين كان فيها آنذاك 700 ألف عربي فلسطيني مقابل 50 ألف يهودي، نصفهم مهاجرون جدد جاؤوا إلى فلسطين من روسيا هربا من الاضطهاد هناك، فقاموا وأضافوا جملة مفادها بألا تمس عملية إقامة الوطن القومي اليهودي بالحقوق المدنية والدينية للطوائف الأخرى الموجودة في فلسطين.
ومن ثم وبعد اعتراض وزير الدولة اليهودي البريطاني لشؤون الهند ( إدوين مونتاغو)، الذي خاف هو ويهود آخرون في العالم بأن يمس الوعد بحقوقهم في دولهم، أضاف المقطع الذي ينص على ألا يمس الوعد بالحقوق السياسية لليهود في باقي أنحاء العالم.
أما فيما يتعلق بالمضمون، ففي حين أعطى الوعد الحق بالاستيلاء على الأرض، وحصر حق تقرير المصير على هذه الأرض " بالشعب اليهودي "، نزع بالمقابل عن الشعب الفلسطيني صفة كونه شعبا مكتمل الهوية، وحرمه من حقوقه الوطنية السياسية وفي مقدمتها حقه بأرض وطنه وحقه في تقرير المصير. لقد مثل وعد بلفور أكثر مشاريع الاستعمار العالمي بشاعة في التاريخ، فقد تصرفت بريطانيا وكأنها الوريث والمالك للمناطق العربية التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، مع العلم أنها عندما أعطت الوعد في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر لم يكن جيشها الاستعماري قد وطئت قدمه أرض فلسطين.
ومن المهم أن تبقى الأجيال الفلسطينية على معرفة بمجموعة اللصوص الذين شاركوا مباشرة في صياغة الوعد وتبادلوا المسودات المشار إليها حتى توصلوا إلى الصيغة النهائية، فقد مثل الجانب البريطاني، رئيس الوزراء آنذاك لويد جورج ووزير خارجيته آرثر بلفور، إلى جانب كلود سايكس، صاحب فكرة اتفاقية سايكس - بيكو التي تقاسمت بموجبها كل من بريطانيا وفرنسا منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى موظفين كبار من وزارة الخارجية مثل ميلر وآمري. أما الحركة الصهيونية فقد مثلها كل من سوكولوف عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية وحاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية في بريطانيا آنذاك، وكانا يتلقيان الدعم من اللورد روتشيلد واللورد منتيفيوري، وهما من أثرياء اليهود وأشدهم دعما للاستيطان اليهودي في فلسطين حتى قبل تأسيس الحركة الصهيونية رسميا عام 1897. من الولايات المتحدة فقد لعب القاضي الصهيوني عضو مجلس الشيوخ برانديس والرئيس الأميركي ويلسون دورا مقررا بصيغة الوعد.
وعندما أراد كل هؤلاء تنفيذ الوعد وجدوا أن هناك حاجة لتتولى بريطانيا العظمى السيطرة على فلسطين لفترة من الزمن لتهيئة الظروف لإقامة الوطن القومي اليهودي، فجاءت فكرة نظام الوصاية على الشعوب، بحجة أنها غير جاهزة للاستقلال الفوري، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الشخص الذي طور فكرة الانتداب والوصاية هو الصهيوني البريطاني هربرت صموئيل، والذي أصبح فيما بعد أول مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين.
و اليوم وبعد 104 أعوام لا يزال العالم قاصرا عن تصحيح هذا الخطأ التاريخي وهذا الظلم الفادح بوضع حد لهذا المشروع الصهيوني الإستعماري الذي شكل أكبر عملية تزوير وسرقة في التاريخ. المشكلة التي واجهها أصحاب هذا الوعد أن الشعب الفلسطيني لم يكن مجرد مجموعات من الطوائف الدينية بل هو شعب له هوية وطنية، شعب لم يتوقف يوما عن مقاومة عملية التزوير والسرقة هذه، فبالرغم من كل ما فعلوه به من ظلم وقتل وتشريد بقي صامدا متمسكا بأرض وطنه. وبعد 104 أعوام لا يزال الصراع مستمرا وهو لن يتوقف حتى يسقط الوعد وتداعياته، والشعب الفلسطيني لم يكن يوما عدوا لليهود كدين لكنه بالمقابل لن يقبل بالمشروع الصهيوني التوسعي وسيواصل كفاحه ضده.