عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 تشرين الأول 2021

أسئلة المستقبل

شرفة الحياة- فتحي البس

منذ الأزل، تقلق أسئلة المستقبل البشر، وللإجابة عليها تصدى الفلاسفة وحاولوا أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، خاصة تلك التي تتعلق بالحياة والموت، أما الأسئلة المباشرة للإنسان الفرد التي تتعلق بضمان حياته لليوم التالي ولما يعتقد ما يمكن أن يمتد إليه عمره، فقد كانت دوما مسؤوليته المباشرة، فيختار ما يؤمن به، وأدوات ووسائل عيشه في المدى المنظور، وعندما يشتد الخطب، وتتوه الرؤية، ولا يجد الانسان إجابة أو يجد صعوبات تعيق حياته، كان بالعموم وفي كل المجتمعات يستسلم بأقوال وحكم شبيهة بتلك التي كانت ترددها جداتنا أيام قلق تأمين الحياة "عيِّشني اليوم وموِّتني بكرة".

تثور أسئلة المستقبل الجمعية حول مستقبل الأرض وثرواتها، والمناخ وتغيراته، والحياة وإمكانياتها في الكواكب المحيطة بها حتى والبعيدة آلاف السنوات الضوئية عنها، والمحيطات وحركتها بما في ذلك الفيضانات والبراكين وذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي وأي البلدان قد تضيع معالمها، وأسئلة كثيرة حول الاحتباس الحراري ونتائجه على مستقبل الحياة ونوعيتها، والفقر المتفاقم بالعالم والمجاعة التي يحيق خطرها بملايين البشر، وكلها بلا إجابات تزيل القلق وكأن الكثير من الدول المسؤولة عما يحدث لكرتنا الارضية، يختارون في إجاباتهم عن هذه الأسئلة بالاستسلام إلى مقولة عيِّشني اليوم وموِّتني بكرة".

وعندما يعود السؤال للأفراد، يضنيهم القلق، كل حسب ظروفه، فالشباب العاطلون عن العمل، سؤالهم الملح متى نجد وظيفة، والصغير سؤاله الملح ماذا سأكون في المستقبل، والشباب من الجنسين في عمر الزواج متى سيتحقق ذلك، والعامل هل أضمن دخلا غدا، والموظف، هل سأحافظ على وظيفتي أو أصعد درجة، وأصحاب المؤسسات، كيف تستمر على قيد الحياة، وأصحاب الثروات كيف يحافظون عليها ويراكمونها، والفقراء، كيف يؤمنون لقمة العيش غدا، وكل إنسان لديه أسئلته الخاصة يحاول الإجابة عليها، فيستبد به القلق.

أما على صعيد الدول والحكومات والمسؤولين، فالمخلصون يبحثون عن حلول للصالح العام، وآخرون يبحثون عن خلاصهم الفردي، وإذا ساد البحث عن الخلاص الفردي، تسود الفوضى، ويعم الخراب، ومرعب ما نراه في حياتنا اليومية، في العالم كله وفي إقليمنا الذي نعيش فيه، ونريد أجوبة عن أسئلة المستقبل فيه، ومنها: هل يُهزم الاحتلال وتتحرر فلسطين وأرضنا العربية، هل يسود السلام في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وليبيا والسودان، هل تنتهي أزمة سد النهضة فترتاح مصر العربية وتجترح الحلول لبنائها وحماية حدودها، واحتضان قضايا الأمة فتقود الاستقرار فيها ما استطاعت لذلك سبيلا، وعلى رأس الأولويات هل تنجح في كبح جماع الطامعين قتفرض إن لم تستطع الإقناع شروط إنهاء الانقسام البغيض لنتقدم خطوة في الإجابة على سؤال المستقبل؟، متى يُلجم المخطط الصهيوني ويتم التصدي لوحشيته وتغوله على أرضنا وشعبنا؟

ونكمل أسئلة قلق المستقبل، هل تخمد النار في مهدها بين المغرب والجزائر، وهل نتمكن من حصار الطائفية والمذهبية التي توشك على تدمير مقدرات شعوبنا، واستحدام أراضينا وشعوبنا ضحايا على مذبح طموحات دول محيطة نريد أن يحمل المستقبل انكفاء طموحاتها المدمرة؟

ولأختصر، كل منا يحمل همَّه، ووجع السؤال عن مستقبله، وخاصة في مناطق الحريق، وعلى رأسها، ما يشعله الاحتلال من حرائق على كل المستويات، ما يجبر الكثيرين والاننهازيين بشكل خاص على البحث عن الخلاص الذاتي، حتى انتقلت العدوى إلى الكثيرين، ويتهدد أمننا وحياتنا في المدى القريب والبعيد، ولا إجابات عن كيفية التعامل مع هذا النوع من الناس.

وأنا واحد من الناس الذين يحاولون الإجابة عن أسئلة المستقبل، في هذا العالم سريع التغير، أترك الأمل يقودني، وإذا اشتد الخطب كما هو جليٌّ للعيان هذا اليوم، ألجأ لحكمة جدتي: عيشني اليوم وموتني بكرة، لعل شيئا يتغير، فأستطيع التخطيط لبضع سنوات مقبلة.

أسئلة المستقبل مُحرقة، على كل المستويات، والبحث عن الخلاص الجماعي أنسب طريق وأقصرها، وهيهات أن يجد الإنسان الفرد المرهق والمُستهلك سلمه الصحيح للانتقال إلى المستقبل ببعض الطمأنينة.