كشف المستور عن الجيوش
عمر حلمي الغول

جاهرت القيادة الإيرانية مرات عدة عن أدواتها في الوطن العربي، وقامت بتسميتها في تصريحات علنية لقادتها العسكريين من قاسم سليماني إلى أخيرا تصريح اللواء غلام علي رشيد، قائد مقر "خاتم الأنبياء" الذي اعترف بأن قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني أبلغهم قبل رحيله بثلاثة أشهر، بأنه "قام بدعم من الحرس الثوري والجيش الإيراني بتأسيس وتنظيم ستة جيوش خارج الأراضي الإيرانية، وتنتشر هذه الجيوش بدءا من الحدود الإيرانية وصولا إلى البحر المتوسط، ومهمتها الدفاع عن إيران".
ولم يتردد القائد الإيراني في تعداد هذه الجيوش، وهي حزب الله اللبناني، حركتا الجهاد الإسلامي وحماس الإخوانية الفلسطينيتين، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن، وأضاف لهم الجيش "السوري".
ولا أعرف كيف؟ ولماذا أضاف الجيش السوري للميليشيات السابقة؟ رغم الإدراك المسبق للتحالفات الاستراتيجية بين النظامين، وانتشار أتباع الأمن الإيراني في الأراضي السورية، إلا أنني لا أعتقد أن الجيش السوري غير عقيدته العربية.
كما جاء في تصريح غلام علي رشيد، إن سليماني قال، إن "تلك الجيوش تحمل ميولا عقائدية، وتعيش خارج إيران، ومهمتها الدفاع عن طهران ضد أي هجوم." وفق ما ذكرته وكالة "مهر" الإيرانية، التي قامت لاحقا بحذف التصريح، لأنه سبب إحراجا لبعض القوى وخاصة حركتي حماس الإخوانية والجهاد الإسلامي، ما دعا الأخيرة للتجرؤ ونفي ما ذكره القائد الإيراني في بيان رسمي، جاء فيه: "إن العلاقات التي تربطها بإيران أساسها الدفاع عن القضية الفلسطينية، وليس أية أهداف أخرى"، في حين لاذت حركة حماس بالصمت، ولم تنطق بأي كلمة، لأنها رأت أن التصريح، وهو كما ذكرت ليس التصريح الأول للقادة الإيرانيين بهذا الصدد، أنه سيذهب طي النسيان، وبالتالي الرد عليه قد يفتح مجالا للأخذ والرد، ويوقعهم في حرج إضافي أكثر ما حمله التصريح المذكور، وتفترض أن قياداتها وكوادرها ومنتسبيها يعرفون حقيقة موقفها من إيران، وأن العلاقة لا تعدو، ولا تتجاوز البعد النفعي وشروط اللعبة السياسية، وعليه فإن كل من إيران وحماس تلعبان على بعضهما بشكل مكشوف، كل منهما يستثمر علاقته مع الآخر لحسابات فئوية ونفعية، لا سيما وأن أجندة حركة حماس تضع بيضها كله في سلة جماعة الإخوان المسلمين، كونها أولا فرع من فروعها فوق الوطنية؛ وثانيا تعتبر أداتها التنفيذية في المنطقة والإقليم، بالإضافة لأذرعها وأدواتها الأخرى.
وما تقدم لا يلغي التكامل والتعاون بين النظام الايراني وفرع فلسطين في جماعة الإخوان المسلمين، ومن المؤكد هناك تنسيق عال فيما بين الدولة والحركة، لأن لهما أهدافا مشتركة تقوم على تمزيق وحدة الدول والشعوب العربية، وإن بخلفيات متباينة، لأن ايران لا تقدم خدمات اعتباطية ولا لسواد عيون الإخوان المسلمين، وقادة إيران ليسوا مغفلين، أو ساذجين حتى يلقون بأموال الدعم مجانا، وهباء منثورا، وحلوان أو عربون رضا للإخوان المسلمين، أو حبا بفلسطين، ودفاعا عن قضيتها وكفاحها التحرري، رغم ما تضمنه تصريح حركة الجهاد الإسلامي من توضيح تعقيبا على ما جاء على لسان الجنرال الإيراني، الذي جاء خجولا وضعيفا.
إعلان القائد الإيراني عن تلك الجيوش، والتي تمتد على مساحة واسعة من الشرق العربي، لم يكن صدفة، أو سهوا ولا عن سذاجة، أو إلقاء للكلام على عواهنه، إنما شاء رشيد أن يقول للزعماء العرب قبل أميركا وإسرائيل، إن رقابكم في أيدينا، وأدواتنا "العربية" قادرة على توجيه الضربات لكم ولأنظمتكم، وعليكم أن تعيدوا النظر في سياساتكم وحساباتكم تجاه إيران، وأن تذعنوا لإملاءاتها وخياراتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية طبعا.
وعمليا شاءت أن تؤكد للعرب الرسميين، أن رهانكم على أميركا وإسرائيل لا يفيدكم بشيء، لأننا نتبادل الأدوار والمهام لتطويع الوطن العربي، وتحويله لخرقة بالية متآكلة، تنهشه الصراعات والحروب البينية والفساد ولتصبحوا عبيدا لسادة المنطقة الجدد، ومنهم إيران.
هذه الإيران المعادية لمصالح العرب القومية، وطموحاتهم وأحلامهم، لم تتوانَ عن نكء الجراح، وتعطيل كل بارقة أمل لفتح صفحة جديدة للتعاون بينها وبين الحكام العرب في الخليج العربي وعموم الوطن العربي، وتعزيز جسور التواصل بين الجيران، الذين ربطتهم علاقات تعاون تاريخية. لكنها تأبى إلا أن تتصرف كدولة مارقة ومستهدفة للدول والشعوب العربية وثرواتهم وخيراتهم ومستقبلهم، ومكانتهم ومشروعهم القومي التنويري أسوة بأميركا وإسرائيل.
مع ذلك يمكن الجزم، أن جيوشها الستة ومنها حزب الله وأنصار الله ومن لف لفهم لن ينفعوها، وسيكون مآلهم مآل ومستقبل جمهوريتهم ومشروعهم القومجي، السائر نحو الهاوية دون تردد، وستذهب طموحاتهم إلى مهب الريح.