نظام التفاهة
هادي جلو مرعي

تغيرت الحياة كثيرًا، وصار ممكنًا حدوث كل شيء، والعالم برغم تطوره في استخدام التقنيات الحديثة صار أكثر انحطاطا، وتدهورت القيم المجتمعية فيه، وتراجعت الأخلاق والسجايا الكريمة ليحل محلها الكذب والنفاق والظلم والاحتيال، وإذا كان المغني الريفي قبل قرن من الزمان يغني في هدأة الليل، ويوجه لحنه الشجي إلى سيدة كان يظنها تضع العباءة النسائية، وبقي حتى الصباح ليكتشف أنها لم تكن سيدة، بل بقرة نائمة تنتظر الفجر لتبحث عن طعامها، فإن الأمر تغير تماما بعد قرن من الزمان، وحين كتب أحدهم لإحداهن على الفيسبوك عبارة من كلمتين: ممكن نتعرف؟ فردت عليه ساخرة: كم أنت قديم، فالجنس صار ديلفري، وأنت تستخدم طريقة ساذجة للبحث عن علاقة!!
حين تكونت الأرض فهي مكان واحد تتعدد فيه الأعراق والألوان، وأصناف النبات، وتنوع التضاريس والحيوانات، وكثرت الموارد حتى فاضت من المياه إلى المعادن والطعام، في إشارة إلى وجود صانع كريم يحاول البعض تجاهله، ويصفهم في قرآنه الكريم أنهم (يستكبرون عن عبادته) لكنه يمنحهم الفرصة تلو الأخرى لعلهم يهتدون، وإن لم يفعلوا يمنحهم المزيد، فإذا استمروا في عنادهَم، ولم تعد من فرصة، فإنهم الخاسرون.
المادية تحكم العالم، ويستنكرها الجميع، لكنهم يمارسونها، ويلهثون وراءها دون كلل، أو ملل، فليس لهم من خيارات عدة، ويحاصرهم الهم الاقتصادي، وتعدد الاحتياجات، والتعليم والمرض والحاجة إلى الطعام والشراب واللباس، وما يمكن أن يستجد على قائمة الضرورات، مع توالي الحوادث، والأوبئة، والسياسات الخاطئة، والحكومات الفاسدة، والشعوب التائهة، وغليان النفوس بالرغبات والمطامح التي قد لا تتحقق، وهناك سباق تحد كبير يشارك فيه من يدعو إلى المثالية الأخلاقية، والعودة إلى القيم الدينية والاعتبارية، وينافسه دعاة المستقبل الذي يظنونه بالانفتاح وتقبل الآخر القوي والمتنفذ والمتسلط، والترحيب بظهور المثلية الجنسية، والتقارب بين الأفكار، ودمج الأشياء فوضويا لخلق نموذج كوني جديد، ويقابل ذلك ما يسمونه نظام التفاهة العالمي الذي يقدم وصفات من الأفكار، والسلوكيات التي تجعل الإنسان جزءا من حالة انفلات كبرى تكون تحت سيطرة قوى مادية، وهو الأمر الذي خلق حالة من الرفض بظهور قوى مناهضة سيحتدم معها صراع مرير، وكل يشهّر بالآخر، ويروج لمشروعه مقدما تبريرات بعضها منطقي، والآخر فاسد يهتم بترويض المجموعات البشرية وتدجينها، وجعلها في دائرة نفوذ واحدة لتنفذ رؤية كونية واحدة، وهو الأمر الذي لا يمكن الجزم بحصوله نتيجة لطبيعة التدافع البشري، والإرادة الغيبية التي توجه الكون كما تريد.