عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2021

بين المسلخ والخزنة، ضاعت الهيبة

شرفة الحياة- فتحي البس

أبدأ بالاعتذار عما ورد في مقالتي تاريخ 7/9/2021 بعنوان "بين الفراشة والهروب الكبير ومعجزة فلسطين، حرِّية سقفها السماء"، من أن البطل حمزة منصور قد مات في الغربة، فقد تبين أنه على قيد الحياة يعيش في السويد ويعاني من المرض. أتمنى له الصحة وطول العمر.
وتظل تجربة حمزة منصور بتكرار الهروب من سجون الاحتلال ثلاث مرات حيّة تستحق الدراسة وأخذ العبرة، فهروبه الأخير من سجن الرملة في آذار1973، كان حدثا لا يصدّق، فهذا السجن كان يطلق عليه "المسلخ لأنهم ينقلون إليه الأشد خطورة ومن يرغبون بتعذيبه، وهو أكبر سجون إسرائيل وأكثرها تحصينا، ولم يهرب منه أحد سوى حمزة.
لا حاجة لتكرار أحداث ذلك الهروب الصاعق، ولكن سأتوقف أمام جمل وعبر دالّة سردها حمزة في كتابه "الهروب من سجن الرملة".
في لحظات فارقة وعندما حاصرته وزملاؤه قوارب البحرية الإسرائيلية أثناء تنفيذه عملية فدائية بعد هروبه الثاني، فكّر في أن يموت على أن يعود إلى الأسر، إلّا إنه قال لنفسه: "ليس المهم أن يموت الفدائي، لكن عليه أن يعرف كيف يموت... وعزَّ عليَّ أن أموت دون ثمن. سلَّمت نفسي حتى لا أعرِّض رفاقي للموت، فإن كنت راغبا بالموت فما ذنب رفاقي؟" فانتهى به الأسر في "المسلخ"، فصمّمَ على أن ينال حريته بعد أن خاطب آمر السجن الأسرى قائلا: "عليكم أن تكونوا مطيعين لي واعلموا أن الله لن يخرجكم من هذا السجن إلا بأمري". فرد عليه حمزة أمام الجميع "أنا سأخرج من هذا السجن بعد سنتين ودون أمرك". ظن السجان أن حمزة قد مسّه الجنون.
يقول حمزة" ضمن تأملاتي الفلسفية...كنت أقول إن الذي بنى هذا السجن شخص عادي، لكنه حصل على ما يلزمه للبناء، أما التخريب فيحتاج إلى إمكانيات أقل، إذن يمكنني أن أتفوق عليه بقدراتي العقلية دون أن أحتاج إلا إلى أشياء بسيطة جدا". فعلها وتحرَّر بالعقل والإرادة، هرب وحقّق ما أراد، وانضم من جديد إلى صفوف الفدائيين.
ساءه أن بني جلدته صدّقوا الإشاعات التي أطلقها الاحتلال الاسرائيلي حول عملية الهروب وملابساتها، فيقول:
"أشير هنا إلى أن لدى كثير من الناس حتى في صفوف المقاومة قابلية لتصديق الإشاعات والأكاذيب التي تروجها المخابرات الإسرائيلية عن طريق عملائها بقصد التشكيك والتشويه على الرغم من عدم منطقية تلك الإشاعات، من ذلك أن الهروب كان من تدبير المخابرات الإسرائيلية".
سجن جلبوع، أطلق عليه لقب" الخزنة"، حيث يحتفظ الاحتلال بأغلى الناس، الأسرى ذوي المؤبدات ومن كان لهم باع طويل في مقاومته، وهو خزنة بمعنى شدة التحصين والحراسة وقسوة الإجراءات وما أدخلوا إليه من تقنيات ومجسات، إضافة طبعا إلى المراقبة المستمرة على مدار الساعة، فظن العدو أن فتح هذه الخزنة مستحيل، لكن ستة من أبناء شعبنا، ذوي إرادة صلبة، استخدموا العقل والحيلة وحسن التدبير، فانطلقوا نسورا في سماء الحرية في عملية سيحتاج العدو الى زمن طويل لتفكيك لغزها.
وما يسيء إليهم والى شعبنا ما تتناقله أبواق معادية من إشاعات، ومعلومات مضللة ضمن عملياتهم الاستخبارية، تخلق الشكوك والظنون وتنشر الفرقة أو على الأقل حالة اللايقين التي قد يتسرب من خلالها ما يفيد العدو.
الحذر الحذر مما تنقله مواقع مشبوهة، مرة وثائق وتصريحات وتعليمات تنسب الى فتح وأخرى إلى حماس، وغيرها الى مصادر مطلعة، وكلها تخدم فقط العدو.
لنحمي جبهتنا الداخلية وندعو للأسرى جميعا بالحرية، ونتمنى للأبطال الذين لم يعرفوا المستحيل، ونعيش معهم بدعواتنا لهم بالسلامة، ولنردد بإيمان شعبنا أنه بين "المسلخ" و"الخزنة"، ضاعت هيبة المحتل، واشتعل الأمل بحياة الحرية والاستقلال.